قبل 26 عاماً، لم يكن المغربي صلاح-م ، يتوقع أن تتحول رحلته البحرية من ألميريا إلى مليلية المحتلة إلى آخر رحلة في حياته. فقد لقي هذا المغربي المقيم بالمدينة المحتلة، والذي كان يزاول بها نشاطاً تجارياً، حتفه اختناقاً داخل زنزانة سفينة “سيوداد دي بالما”، بعدما اندلع حريق في المكان الذي كان محتجزاً فيه، في واقعة ظلت تفاصيلها تثير أسئلة عائلته حول ظروف وفاته.
وتعود تفاصيل المأساة إلى فاتح شتنبر 2000، عندما كان صلاح، البالغ من العمر آنذاك 32 عاماً، على متن العبّارة التي كانت تؤمّن الخط البحري بين مليلية المحتلة وألميريا. وكان الرجل قد عاد من برشلونة، حيث زار ابنتيه البالغتين 10 و7 سنوات، وزوجته التي كان منفصلاً عنها، قبل أن يستقل السفينة في اتجاه مليلية، مستغلاً الرحلة لنقل بضاعة على متن شاحنة لفائدة تجارته التي كان يديرها بالمدينة المحتلة.
لكن الرحلة انقلبت إلى مأساة بعدما دخل صلاح في مشادة أثناء الإبحار، وكان، وفق رواية شقيقيه، تحت تأثير الكحول. وأمام هذا الوضع، أمر قبطان السفينة بإيداعه في زنزانة تقع في الجزء السفلي من العبّارة، لتتحول تلك الزنزانة لاحقاً إلى مكان نهايته المأساوية.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت الأسئلة تحاصر ظروف احتجازه ووفاته. فقد اتهم شقيقا الضحية قبطان السفينة بأنه أمر بحبسه في مكان مغلق “كما لو كان حيواناً”، معتبرين أن ظروف احتجازه لم تكن تضمن سلامته، خصوصاً بعد اندلاع الحريق.
وكان من بين أبرز اتهامات الأسرة عدم وجود أي عنصر مكلف بمراقبة المكان الذي احتُجز فيه صلاح، وهو ما اعتبره شقيقاه عاملاً حاسماً في عدم تمكنه من النجاة بعد اندلاع النيران. كما وجها للقبطان انتقاداً آخر يتعلق بعدم تفتيش الضحية قبل إيداعه في الزنزانة، للتأكد من عدم حمله أي شيء يمكن أن يلحق به الأذى.
وبينما انتهت حياة المغربي المقيم بمليلية المحتلة داخل عنبر السفينة، بدأت الأسرة معركة للبحث عن المسؤولية، إذ اتهمت القبطان بالإهمال، واعتبرت أن ما حدث لم يكن مجرد حادث عابر، بل مأساة كان من الممكن تفاديها لو توفرت شروط الحراسة والسلامة اللازمة.
وبعد 26 عاماً، لم تعد قصة صلاح مجرد صفحة قديمة من حوادث البحر، بل جرحاً عالقاً في ذاكرة أسرة فقدت ابنها في ظروف ظلت بالنسبة إليها محاطة بالأسئلة. صعد إلى العبّارة عائداً إلى مليلية المحتلة، حاملاً بضاعته وأحلامه وحياةً تنتظره، لكنه لم يصل أبداً. انتهت الرحلة في قبو السفينة، خلف باب زنزانة، بينما كانت النيران تشتعل في المكان الذي كان يفترض أن يكون آمناً.
رحل صلاح، لكن الأسئلة بقيت على قيد الحياة: من كان يراقب الزنزانة؟ ولماذا لم يتمكن من النجاة؟ وهل كان يمكن تفادي المأساة لو توفرت شروط الحراسة والسلامة؟ بعد أكثر من ربع قرن، لا تزال تلك الأسئلة شاهدة على مأساة مغربي مقيم بمليلية المحتلة، تحولت رحلته الأخيرة إلى قصة لم تستطع السنوات أن تطفئ صداها.
02/09/2026