تبدو سبتة المحتلة هذه الأيام كمدينة عالقة بين أزمة هجرة متفاقمة وحسابات سياسية أكثر تعقيداً، بعدما وجدت السلطات الإسبانية نفسها مضطرة إلى نصب عشرات الخيام داخل الميناء لإيواء المهاجرين الذين ما زالوا عالقين منذ موجة الدخول الجماعي التي شهدتها المدينة نهاية يوليوز الماضي.
الحكومة الإسبانية سارعت إلى وصف الخيام بأنها “مؤقتة”، وكأن تغيير الاسم يمكن أن يغير واقع المشهد. وزير السياسة الإقليمية والذاكرة الديمقراطية، أنخيل فيكتور توريس، أكد أن هذه المنشآت ستُفكك بعد إعادة المهاجرين، موضحاً أن الهدف منها هو تسجيلهم وتحديد هوياتهم تمهيداً لإعادتهم وفق الإجراءات القانونية.
لكن خلف عبارة “مؤقتة” تختبئ أزمة أكبر بكثير. فالمهاجرون الذين كان يفترض أن يكون وجودهم عابراً وجدوا أنفسهم في فضاءات مؤقتة، فيما تحولت الخيام نفسها إلى عنوان جديد لعجز السلطات عن إيجاد حل سريع ونهائي للوضع الذي تعيشه المدينة.
توريس حاول الدفاع عن قرار الحكومة، معتبراً أن نقل المهاجرين من الشواطئ والأرصفة إلى أماكن مخصصة لإيوائهم أكثر منطقية، لكنه اصطدم باعتراضات محلية وتقارير تقنية رافضة لبعض المواقع المقترحة، ما جعل المشهد يبدو أقرب إلى لعبة “من يرفض المكان؟” بدل أن يكون بحثاً جدياً عن مخرج للأزمة.
وزاد الوزير من حدة الجدل عندما طالب جميع الأطراف بالتوافق، متسائلاً عن البدائل إذا كان السكان يعترضون على استخدام المستشفى العسكري أو المنشآت الرياضية أو ثكنة فيسكر أو مصنع الدقيق. وبعبارة أخرى، تبدو الحكومة وكأنها تقول للمعترضين: ارفضوا ما شئتم، لكن قدموا لنا مكاناً آخر.
المفارقة أن سبتة المحتلة، التي تقدمها مدريد منذ سنوات باعتبارها إحدى واجهاتها الأوروبية المتقدمة في شمال إفريقيا، وجدت نفسها أمام مشهد لا يحتاج إلى كثير من التعليق: خيام في الميناء، مهاجرون ينتظرون، قاصرون موزعون بين مرافق المدينة، وأحزاب سياسية تتبادل الاتهامات بينما تبحث الحكومة عن موعد لإنهاء حالة الطوارئ غير المعلنة.
الأرقام وحدها تكشف حجم المأزق. فالسلطات الإسبانية تتحدث عن وجود ما بين 1500 و1600 قاصر مهاجر ما زالوا في المدينة، بعد تسجيلهم، فيما تعمل مدريد على تسهيل لمّ شملهم مع عائلاتهم أو نقلهم إلى أقاليم إسبانية أخرى.
وفي الوقت نفسه، تحولت الأزمة إلى مادة دسمة للمواجهة السياسية بين حكومة بيدرو سانشيز والمعارضة، خصوصاً الحزب الشعبي وحزب فوكس، بعدما تبادل الطرفان الاتهامات بشأن المسؤولية عن الوضع المتأزم في المدينة وآليات التعامل مع القاصرين.
ولم تتوقف العاصفة عند الحدود السياسية الداخلية، بل امتدت إلى النقاش حول خلفيات موجة الدخول الجماعي التي عرفتها سبتة. وفي هذا السياق، حاول توريس قطع الطريق أمام الاتهامات الموجهة إلى الرباط، مؤكداً عدم وجود أدلة تثبت وجود تأثير مغربي في تلك الأحداث، ومشدداً على ضرورة عدم بناء مواقف مرتبطة بالأمن القومي والعلاقات مع دولة مجاورة على مجرد التخمينات أو المؤشرات.
غير أن مجرد استمرار هذا النقاش داخل المؤسسات الإسبانية يكشف أن ملف سبتة لم يعد مجرد قضية هجرة عابرة، بل تحول إلى ملف أمني وسياسي ودبلوماسي شديد الحساسية، خصوصاً مع وجود تقارير قضائية يجري تداولها بشأن ظروف وملابسات ما حدث خلال موجة الدخول الجماعي.
وفي خضم كل ذلك، تستعد المدينة أيضاً لاستقبال الملك فيليبي السادس خلال الأسابيع المقبلة، وفق ما أعلنه الوزير توريس، على أمل أن تكون الأوضاع قد تحسنت بشكل واضح بحلول موعد الزيارة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل ستختفي الأزمة فعلاً مع تفكيك الخيام، أم أن الخيام ليست سوى الستار المؤقت الذي يخفي أزمة أعمق؟
فالمشكلة ليست في القماش الذي نُصب فوق أرض الميناء، ولا في عدد الخيام التي وصلت إلى المدينة، بل في أزمة وجدت مدريد نفسها عاجزة عن طي صفحتها بسرعة. وبين حكومة تتحدث عن “أسابيع قليلة”، ومعارضة تصرخ في وجهها، وقاصرين ينتظرون مصيرهم، ومهاجرين عالقين في المدينة، تبدو سبتة المحتلة وكأنها دخلت نفقاً سياسياً وأمنياً لا يكفي فيه نصب الخيام لإغلاقه.
وفي النهاية، قد تُفكك الخيام فعلاً بعد أسابيع، وقد تختفي من الميناء كما وعدت الحكومة، لكن السؤال الأصعب سيبقى واقفاً في وجه مدريد: ماذا ستفعل عندما تعود الأزمة من جديد، وهل ستنصب الخيام مرة أخرى أم ستكتشف أخيراً أن المشكلة أكبر من خيمة وأعمق من ميناء؟
06/09/2026