لم تعد سبتة مجرد اسم عابر في البيانات الرسمية الإسبانية، ولا مجرد نقطة صغيرة على الضفة الجنوبية للمتوسط، بل يبدو أنها تحولت إلى ملف يضغط على أعصاب مدريد حتى وصل صداه إلى قصر زارزويلا. ففي خطوة لافتة، عقد الملك الإسباني فيليبي السادس اجتماعاً عسكرياً رفيع المستوى خُصص لتقييم الوضع الأمني والدفاعي المرتبط بالمدينة، في مشهد يكشف حجم الحساسية التي باتت تحيط بسبتة داخل دوائر القرار الإسباني، وكأن الحديث عن مدينة مغربية في أقصى شمال المملكة أصبح كافياً لاستنفار القصر والجنرالات معاً.
الاجتماع لم يكن مدرجاً، بحسب المعطيات المنشورة، ضمن الأجندة العلنية المعتادة للملك أو وزارة الدفاع، وهو ما منحه أهمية إضافية. فقد جمع فيليبي السادس بوزيرة الدفاع مارغريتا روبليس، ورئيس أركان الدفاع الأدميرال العام تيودورو لوبيز كالديرون، إلى جانب عدد من كبار القادة العسكريين المكلفين بالعمليات. أما الملك فظهر مرتدياً زي القبطان العام للقوات المسلحة، في صورة أرادت مدريد من خلالها إضفاء طابع عسكري واضح على اجتماع يتعلق بمدينة صغيرة في شمال المغرب، وكأن البزة العسكرية يمكن أن تمنح شرعية جديدة لواقع لم تصنعه الجغرافيا الإسبانية.
وبحسب الرواية الإسبانية، جرى خلال الاجتماع تقييم الانتشار والوضع العملياتي من “منظور عسكري بحت”. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تحتاج سبتة، في هذا التوقيت تحديداً، إلى اجتماع عسكري بهذا المستوى داخل القصر الملكي؟ وهل يتعلق الأمر فعلاً بتقييم روتيني، أم أن مدريد بدأت تدرك أن هذه المدينة، رغم صغر مساحتها، تحمل وزناً سياسياً وتاريخياً أكبر بكثير من حجمها الجغرافي؟ فالمشكلة بالنسبة إلى مدريد ليست في مساحة سبتة، بل في موقعها وهويتها وتاريخها، وفي حقيقة أنها توجد فوق تراب مغربي يفصلها عن القصر الملكي الإسباني بحر ومئات الكيلومترات من الجغرافيا السياسية.
والمفارقة أن كلما ارتفع منسوب القلق الإسباني حول سبتة، ارتفعت معه اللغة العسكرية والأمنية، وكأن المشكلة يمكن اختزالها في عدد الجنود وخطط الانتشار ومستوى الجاهزية. غير أن القضية، من المنظور المغربي، أعمق من ذلك بكثير: سبتة مدينة مغربية تقع في أقصى شمال المملكة، ولا يغيّر واقعها الجغرافي والتاريخي وجود إدارة إسبانية فوق ترابها، مهما تبدلت الخطابات أو ارتفعت نبرة الاستنفار في مدريد. فالجغرافيا لا تمنحها مدريد، والتاريخ لا تكتبه البيانات الحكومية، والوجود العسكري لا يستطيع أن يحوّل أرضاً مغربية إلى أرض إسبانية لمجرد أن الجنود يقفون فوقها.
وتزداد المفارقة وضوحاً عندما تتعامل مدريد مع المدينة باعتبارها قضية “سلامة إقليمية” إسبانية، في الوقت الذي يظل فيه وجودها في شمال إفريقيا امتداداً لإرث استعماري لم يُغلق سياسياً. وهنا يظهر السؤال الذي تحاول الخطابات الأمنية تأجيله باستمرار: هل يمكن تحويل قضية تاريخية وسياسية إلى مجرد ملف دفاعي، ثم الاعتقاد بأن الأسلاك والجنود والاجتماعات العسكرية قادرة على إنهاء النقاش؟ إن سبتة ليست جزيرة طافية في البحر تبحث عن هوية، وليست أرضاً مجهولة تنتظر من يعرّفها؛ إنها مدينة مغربية يعرف موقعها البحر المتوسط، وتعرفه خرائط شمال إفريقيا قبل أن تعرفه خرائط القصور.
والأكثر دلالة أن هذا الاجتماع يأتي في سياق التحضير لما يسمى زيارة ملكية مرتقبة إلى جيب سبتة المحتل، وهي الزيارة التي سبق لرئيس الحكومة بيدرو سانشيز أن أعلن عنها، من دون أن يتم تحديد موعدها رسمياً وعلنياً حتى الآن. ويبدو أن زيارة ملك إسبانيا إلى سبتة، وإن تمت فعلاً، ليست بالبساطة التي توحي بها الخرائط الرسمية؛ فمدينة صغيرة في أقصى شمال المغرب تحتاج إلى كل هذا الترقب والحسابات والاستنفار قبل أن تطأها أقدام الملك، باعتبارها مدينة شديدة الحساسية في علاقتها مع الرباط، أشبه بجمرة سياسية لا ترغب مدريد في لمسها كثيراً. وكأن القصر لا يحضّر لزيارة بروتوكولية، بل لامتحان سياسي ودبلوماسي تخشى مدريد أن تفضح فيه الصورة أكثر مما تخفيه. إنها زيارة يريدها القصر احتفالاً بالسيادة، بينما تكشف كل هذه التحضيرات أن مجرد الوصول إلى المدينة ما زال يحمل أكثر من سؤال.
ولم يخفِ فيليبي السادس خلال الفترة الأخيرة ما وصفته الأوساط الإسبانية بالقلق والاستياء مما تعتبره مدريد مساساً بسلامة سبتة، داعياً إلى وحدة السلطات والمؤسسات في دعم سكان سبتة ومليلية. كما تحرك على مستوى الاتصالات السياسية، فالتقى رئيس حكومة سبتة المحتلة خوان خيسوس فيفاس، وتواصل مع رئيس الحكومة بيدرو سانشيز، ورئيس حكومة مليلية المحتلة خوان خوسيه إمبرودا، وزعيم المعارضة ألبرتو نونيز فيخو. وكل ذلك يكشف أن المدينة التي تريد مدريد تقديمها باعتبارها ملفاً داخلياً عادياً، تتحول عند أول اهتزاز إلى قضية تستدعي الملك والحكومة والجيش والقيادات السياسية دفعة واحدة.
غير أن هذه التحركات تكشف، في المقابل، مدى صعوبة التعامل الإسباني مع ملف المدينتين المحتلتين. فبدلاً من أن يبقى النقاش محصوراً في التنمية والخدمات والأمن، يعود السؤال السيادي والتاريخي إلى الواجهة كلما ارتفعت حدة التوتر. ومهما حاولت مدريد تقديم سبتة ومليلية باعتبارهما جزءاً محسومًا من الواقع الإسباني، فإن وجود المدينتين في شمال المغرب يجعل الملف مختلفاً عن أي قضية داخلية أخرى. فحين تحتاج قضية “محسومة” إلى كل هذا الحضور الملكي والعسكري والسياسي، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو أن الحسم الذي تتحدث عنه مدريد يبدو أكثر رسوخاً في الخطاب منه على أرض الواقع.
واللافت أن مدريد والرباط تحرصان في الوقت نفسه على تقديم علاقاتهما باعتبارها شراكة استراتيجية تقوم على التعاون في ملفات الاقتصاد والأمن والهجرة ومكافحة الجريمة. لكن هذه الشراكة لا تلغي وجود ملفات تاريخية عالقة، وعلى رأسها وضع سبتة ومليلية. فالتعاون بين دولتين يمكن أن يتطور في ملفات كثيرة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الأسئلة التاريخية والسيادية قد اختفت. وبالنسبة إلى المغرب، لا يمكن أن تتحول الشراكة الاستراتيجية إلى ستار يخفي حقيقة أن مدينتين مغربيتين ما زالتا خارج السيادة الوطنية.
بل إن تحويل كل نقاش حول سبتة إلى مسألة عسكرية قد يعطي الانطباع بأن مدريد تحاول معالجة سؤال سياسي بأدوات أمنية. فحين يُستدعى وزير الدفاع ورئيس أركان الدفاع وكبار قادة العمليات إلى القصر لمناقشة وضع المدينة، يصبح السؤال مشروعاً حول ما الذي تخشاه مدريد تحديداً، ولماذا يبدو أن مجرد الحديث عن مستقبل سبتة يرفع درجة الاستنفار إلى هذا المستوى؟ فلو كانت المسألة مجرد إدارة أمنية لمدينة إسبانية عادية، لما احتاجت إلى كل هذه الرمزية العسكرية داخل القصر الملكي.
قد تستطيع المؤسسة العسكرية أن تضع خططاً لحماية موقع، وأن ترفع مستوى الجاهزية، وأن ترسم سيناريوهات متعددة، لكن الجغرافيا لا تدخل في سلسلة القيادة العسكرية. فسبتة ستبقى حيث هي، في أقصى شمال المغرب، مهما تغيرت الزيارات الملكية ومهما تعددت الاجتماعات خلف أبواب القصور. والتاريخ بدوره لا يمكن إخضاعه للأوامر، ولا يمكن إغلاق ملف سياسي بمجرد تصنيفه تحت بند الأمن والدفاع. فالجنرال يستطيع أن يحرس ثكنة، والملك يستطيع أن يلقي خطاباً، والحكومة تستطيع أن تصدر بياناً، لكن لا أحد منهم يستطيع أن ينقل سبتة من موقعها الطبيعي فوق الخريطة المغربية.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة التي تجعل اجتماع زارزويلا أكثر إثارة مما يبدو عليه في ظاهره: كلما حاولت مدريد إظهار أن قضية سبتة محسومة، عادت إلى التعامل معها باعتبارها قضية تحتاج إلى أعلى درجات الاستنفار السياسي والعسكري. وكأن كثرة الحديث عن “الاستقرار” لا تؤدي إلا إلى تذكير الجميع بأن الملف نفسه لم يجد بعد طريقه إلى الحل السياسي. وكلما ارتفعت جدران التحصين حول المدينة، ارتفع معها السؤال الذي لا تستطيع الخرسانة ولا الزي العسكري الإجابة عنه: كيف يمكن أن تكون قضية محسومة، بينما تستدعي كل هذا القلق؟
ويبدو أن مدريد اكتشفت حلاً عبقرياً لمشكلة الجغرافيا: استدعاء الجنرالات إلى القصر! فبدلاً من أن تسأل نفسها لماذا تحتاج مدينة مغربية صغيرة في أقصى شمال المملكة إلى كل هذا الاستنفار، قررت أن تواجه الخريطة بالزي العسكري، وأن تحرس واقعاً سياسياً باجتماعات مغلقة. المشكلة فقط أن الخرائط لا تحضر الاجتماعات، والبحار لا تنصت للأوامر العسكرية، والتاريخ لا يغيّر موقفه بمجرد أن يرتدي الملك بزته العسكرية. وهكذا يبقى السؤال محرجاً في مكانه: هل تستطيع زارزويلا أن تغيّر موقع سبتة على الخريطة، أم أن الجنرالات سيكتشفون في نهاية الاجتماع أن المدينة التي يحاولون حراستها عسكرياً ما زالت، بكل جغرافيتها وتاريخها، مدينة مغربية؟
08/09/2026