kawalisrif@hotmail.com

كاتالونيا تشعل النار في وجه مدريد … 11 شتنبر يفتح جرح 1714 من جديد وإسبانيا أمام كابوس الانفصال !

كاتالونيا تشعل النار في وجه مدريد … 11 شتنبر يفتح جرح 1714 من جديد وإسبانيا أمام كابوس الانفصال !

في كل 11 شتنبر، لا تحتفل كاتالونيا بمجرد ذكرى تاريخية عابرة، بل تفتح جرحًا سياسيًا ظل مفتوحًا لأكثر من ثلاثة قرون. ففي هذا اليوم، تستعيد برشلونة سقوطها سنة 1714، وتحول الهزيمة العسكرية القديمة إلى مناسبة سنوية لإعادة طرح السؤال الأكثر إزعاجًا لمدريد: هل إسبانيا دولة واحدة فعلًا، أم أنها دولة واحدة تخفي تحت سقفها إرادات قومية متعددة لا تزال ترفض دفن حلمها بالانفصال؟

هذا العام، عادت شوارع برشلونة وجيرونا ومدن كاتالونية أخرى إلى رفع شعارات الاستقلال، بعدما دعت التنظيمات السيادية إلى مسيرات تستحضر الهوية الكاتالونية وتطالب بمواصلة المسار نحو تقرير المصير. وحتى توقيت المسيرات في برشلونة، عند الساعة 17:14، لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل إحالة مباشرة إلى سنة سقوط المدينة أمام قوات فيليب الخامس. فالتاريخ هنا لم يعد مجرد أرشيف محفوظ في الكتب، بل تحول إلى سلاح سياسي تستعمله كاتالونيا كل عام لتذكير مدريد بأن ما تعتبره صفحة منتهية، لا يزال بالنسبة إلى قطاع من الكاتالونيين قضية مفتوحة.

والأكثر إحراجًا أن المناسبة لم تمر بهدوء، بعدما شهد محيط فوسار دي ليس موريريس توترًا ومواجهات بين مجموعات سياسية متباينة، ما استدعى تدخل قوات مكافحة الشغب وتوقيف عدد من الأشخاص. وكأن المشهد يقول لمدريد بوضوح إن القضية الكاتالونية لم تختف، وإنما غيرت أدواتها وواصلت البحث عن منفذ جديد داخل المؤسسات والشارع.

القصة تعود إلى سنة 1714، عندما سقطت برشلونة بعد حصار طويل، لتدخل كاتالونيا مرحلة سياسية جديدة ألغيت خلالها مؤسسات وقوانين كانت تمنحها خصوصية سياسية. ومنذ أواخر القرن التاسع عشر، تحولت ذكرى 11 شتنبر تدريجيًا إلى مناسبة عمومية، قبل أن تُمنع في فترات مختلفة، خصوصًا خلال عهد الديكتاتور فرانسيسكو فرانكو، ثم تستعيد حضورها بعد الانتقال الديمقراطي، إلى أن أصبحت سنة 1980 عيدًا وطنيًا رسميًا للإقليم.

لكن المشكلة بالنسبة إلى مدريد أن المسألة لم تتوقف عند اللغة والثقافة والحكم الذاتي. فمنذ مطلع الألفية، تصاعد التيار الاستقلالي، خصوصًا بعد قرار المحكمة الدستورية الإسبانية سنة 2010 بشأن نظام الحكم الذاتي لسنة 2006، وما رافقه من إعادة تفسير أو إلغاء مقتضيات اعتبرها القوميون الكاتالونيون جوهرًا لهويتهم السياسية. ثم جاءت الخلافات حول النظام الضريبي وتوزيع الموارد والأزمة الاقتصادية لتصب الزيت على نار كانت مشتعلة أصلًا.

وبلغ الانفجار ذروته في 1 أكتوبر 2017، عندما نظمت حكومة كاتالونيا استفتاء حول الاستقلال رغم قرار المحكمة الدستورية بتعليقه. وأعلنت السلطات الكاتالونية آنذاك أن 90.18 في المائة من المشاركين صوتوا لصالح الانفصال، في اقتراع بلغت المشاركة فيه نحو 43 في المائة، بينما قاطعت قطاعات واسعة من المعارضين للاستقلال العملية. غير أن مدريد اختارت الرد بالقوة لمنع التصويت، وهو ما جعل ذلك اليوم يتحول إلى واحدة من أكثر الصفحات حساسية في تاريخ إسبانيا الديمقراطية الحديثة.

وبعد إعلان البرلمان الكاتالوني الاستقلال في أكتوبر من السنة نفسها، لجأت مدريد إلى المادة 155 من الدستور، فأقالت الحكومة الإقليمية وفرضت إدارة مباشرة مؤقتة. لكن السنوات التي تلت ذلك لم تكن كافية لدفن القضية. تغيرت الوجوه، تراجعت حدة الشارع، وانتقلت المعركة تدريجيًا إلى المؤسسات والعفو والحوار والمساومات السياسية، لكن السؤال الأساسي بقي جاثمًا فوق الطاولة: هل يمكن إقناع قوميين يطالبون بحق تقرير المصير بأن مستقبلهم يجب أن يظل محصورًا داخل صيغة الدولة التي يرفضونها ؟

والصداع الإسباني لا يتوقف عند كاتالونيا. فإقليم الباسك أيضًا يواصل إنتاج السؤال ذاته بصيغ مختلفة، مع قوى سياسية وازنة تطالب باعتراف أوسع بخصوصيته السياسية وبحقه في تقرير مستقبله. وهنا تصبح الصورة أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى مدريد: دولة واحدة، لكن داخلها أكثر من ذاكرة تاريخية، وأكثر من هوية قومية، وأكثر من تصور لمستقبل الدولة.

وهكذا، فإن 11 شتنبر ليس مجرد عيد وطني في كاتالونيا، بل موعد سنوي لإحراج الدولة الإسبانية أمام تاريخها وأسئلتها المؤجلة. فكلما حاولت مدريد طي صفحة 1714، أعادتها برشلونة إلى الواجهة، وكلما اعتقدت أن زلزال 2017 أصبح من الماضي، عادت رايات الاستقلال إلى الشوارع لتقول إن الجرح لم يمت.

والمفارقة الأكثر إثارة أن مدريد تستطيع أن تضبط المسيرات، وتمنع الاستفتاءات، وتستدعي الشرطة، وتفتح المحاكم، لكنها لم تجد بعد الطريقة السحرية لإقناع كاتالونيا بأن تنسى ما تتذكره كل عام. فالتاريخ، على ما يبدو، لا يخضع بسهولة للقرارات الإدارية، والذاكرة الجماعية لا تحتاج إلى ترخيص كي تعود إلى الشوارع.

وبينما تواصل إسبانيا تقديم الدروس للآخرين حول السيادة ووحدة الدول، تقف أمام مرآتها في برشلونة لتجد السؤال ذاته معلقًا في وجهها: ماذا لو كان للآخرين أيضًا تاريخهم وذاكرتهم وروايتهم؟ عندها يصبح 11 شتنبر أكثر من عيد كاتالوني، ويغدو موعدًا سنويًا تذكّر فيه برشلونة مدريد بأن بعض الملفات لا تموت، وإنما تنتظر فقط أن يدق جرس التاريخ من جديد.

وقد تنتصر مدريد في معركة هنا، وتربح جولة هناك، لكن برشلونة تملك سلاحًا أكثر إزعاجًا: ذاكرة لا تنام. ولذلك، كلما ظنت مدريد أنها أغلقت ملف كاتالونيا، عاد 11 شتنبر ليطرق الباب من جديد، وكأنه يقول لها بسخرية ثقيلة: عذرًا مدريد، يبدو أنك نسيت شيئًا… نحن ما زلنا هنا !

11/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts