لم يعد الحديث عن ميناء الناظور غرب المتوسط مجرد حديث عن مشروع ضخم ينتظر اكتماله، بعدما اقترب موعد دخوله الفعلي إلى الخدمة، في خطوة من شأنها إعادة رسم خريطة المنافسة على حركة الملاحة في مضيق جبل طارق، ووضع ميناء الجزيرة الخضراء الإسباني أمام منافس مغربي جديد لا يخفي طموحه في اقتحام نادي كبار الموانئ المتوسطية.
ومن المرتقب أن يبدأ ميناء الناظور غرب المتوسط عملياته خلال الربع الأخير من سنة 2026، بعدما أنهت المحطة الشرقية الاختبارات التشغيلية اللازمة، بما في ذلك استقبال سفينة حاويات، في اختبار عملي هدف إلى التأكد من جاهزية المنشآت لاستقبال السفن والبضائع ومعالجتها وفق المعايير المطلوبة.
وأعلنت شركة West Med Container Terminal – WMCT، صاحبة امتياز تشغيل المنشأة، نجاح هذه الاختبارات، مؤكدة أن العملية جاءت بعد أشهر من الاستعدادات وتعبئة الموارد التشغيلية والتقنية والبشرية اللازمة لإطلاق المحطة. وتساهم في الشركة كل من مرسى المغرب وMSC، بما يعكس طبيعة المشروع وحجمه وانفتاحه على فاعلين دوليين في قطاع النقل البحري.
وإذا كانت التقديرات الأولى تشير إلى بداية التشغيل سنة 2027، فإن تسارع الأشغال والاستعدادات دفع إلى تقديم الموعد، لتصبح الأسابيع والأشهر المقبلة مرشحة لوصول أولى سفن الحاويات إلى الميناء الجديد، الذي تراهن عليه المملكة لتحويل الناظور والمنطقة الشرقية إلى منصة بحرية ولوجستية ذات وزن إقليمي ودولي.
والمثير في المشروع ليس فقط قرب موعد افتتاحه، وإنما حجم الطموح الذي يحمله. فالميناء سيبدأ بطاقة تصل إلى 3 ملايين حاوية سنويًا، قبل أن ترتفع طاقته المستهدفة تدريجيًا إلى 5.5 ملايين حاوية مكافئة لعشرين قدمًا، المعروفة اختصارًا بـTEU، وهي أرقام تضعه في دائرة المنافسة مع كبار الموانئ في المنطقة، وتجعله قريبًا من مستويات مناولة موانئ كبرى مثل الجزيرة الخضراء وفالنسيا.
وكشفت صحيفة إسبانية عن حجم الرهان المغربي، مشيرة إلى أن ميناء الجزيرة الخضراء تعامل خلال سنة 2025 مع حوالي 4.74 ملايين حاوية، بينما بلغ الرقم في ميناء فالنسيا نحو 5.66 ملايين حاوية. وبذلك، فإن الناظور غرب المتوسط لا يدخل المنافسة كمنشأة هامشية، وإنما كمشروع صُمم منذ البداية لمقارعة موانئ كبرى على واحد من أكثر الممرات البحرية نشاطًا في العالم.
وسيضم الميناء في مرحلته الأولى رصيفًا بطول 1440 مترًا ومنصة تمتد على مساحة 60 هكتارًا، مع تجهيزات تشمل 8 رافعات جسرية و24 رافعة لساحات الحاويات و4 رافعات متحركة حديثة. كما سيخصص 900 متر من الرصيف لمناولة الحاويات، فيما ستخصص الـ540 مترًا المتبقية للبضائع العامة.
لكن المفاجأة الأكبر بالنسبة إلى الموانئ الإسبانية تكمن في العامل الأوروبي نفسه، إذ يستعد الناظور غرب المتوسط لدخول المنافسة في ظرف تفرض فيه قواعد نظام تداول الانبعاثات الأوروبي ETS تكاليف إضافية على شركات الملاحة المرتبطة بالرحلات البحرية المشمولة بالنظام، بينما تستطيع بعض الموانئ القريبة خارج الاتحاد الأوروبي استقطاب جزء من حركة إعادة الشحن وفق مسارات وظروف تشغيلية مختلفة.
وتشمل قائمة الموانئ المجاورة للاتحاد الأوروبي، من بين موانئ أخرى، طنجة المتوسط، باعتباره يقع على مسافة تقل عن 300 ميل بحري من ميناء تابع للاتحاد الأوروبي. غير أن هذا التصنيف لا يمنع بعض الخطوط البحرية من استخدام طنجة المتوسط كمحطة لإعادة الشحن، وبالتالي تقليل الحاجة إلى الرسو في الجانب الأوروبي، وهو ما يمكن أن ينعكس على حركة النقل البحري في موانئ مثل الجزيرة الخضراء.
وتشير المعطيات التي أوردتها الصحيفة الإسبانية إلى أن حركة إعادة الشحن بين المناطق البعيدة في الموانئ الأوروبية تراجعت بنسبة 51% منذ سنة 2023، في وقت حافظ فيه ميناء طنجة المتوسط على استقراره، بل سجل نموًا بنسبة 5%. وتكشف هذه الأرقام أن المنافسة لم تعد مجرد سباق بين الأرصفة والرافعات، وإنما أصبحت مرتبطة أيضًا بالتكاليف والقواعد البيئية واختيارات شركات الملاحة العالمية.
والأكثر إثارة أن الناظور غرب المتوسط قد يستفيد، وفق التقديرات الواردة في التقرير الإسباني، من هامش زمني قبل إدراجه المحتمل ضمن قائمة الموانئ المجاورة للاتحاد الأوروبي، وهي القائمة التي يتم تحديثها كل عامين. وإذا استمر الوضع وفق هذه التقديرات، فقد لا يدخل الميناء المغربي هذه القائمة قبل سنة 2028، ما يمنحه هامشًا زمنيًا مهمًا لترسيخ حضوره في سوق إعادة الشحن قبل أي تغيير محتمل في وضعه التنظيمي.
غير أن المشروع لا يريد أن يكون مجرد ميناء للحاويات، فالمغرب يضع حوله تصورًا أوسع بكثير يجمع بين الميناء والطاقة واللوجستيك والصناعة والاستثمار. فالاستثمار العمومي في المشروع يناهز مليار يورو، فيما يجري تطوير منطقة حرة وصناعية مجاورة تستهدف استقطاب استثمارات في الصناعات الغذائية والفلاحية والنسيج والمعادن والميكانيك والكيمياء والمحروقات وغيرها.
وهنا تكمن الرسالة الأهم: الناظور غرب المتوسط ليس مجرد رصيف جديد على الساحل المتوسطي، بل قطعة أساسية في مشروع اقتصادي ولوجستي أكبر، هدفه ربط المنطقة الشرقية بشبكات التجارة الدولية وتحويل موقعها الجغرافي من مجرد ميزة جغرافية إلى قوة اقتصادية فعلية.
وبينما تنظر بعض الأوساط في الضفة الشمالية للمضيق إلى المشروع باعتباره منافسًا جديدًا لميناء الجزيرة الخضراء، يبدو أن المغرب ينظر إليه بمنظور أوسع: ميناء ضخم، منطقة صناعية، منصة لوجستية، قطب للطاقة، ومنفذ مباشر نحو الأسواق الدولية.
أما في الجزيرة الخضراء، فالمعادلة تبدو أكثر حساسية؛ فالمنافس هذه المرة ليس ميناءً بعيدًا يمكن تجاهله، وإنما منشأة مغربية تتقدم بسرعة نحو التشغيل، وتمتلك طموحًا للوصول إلى 5.5 ملايين حاوية سنويًا، في موقع استراتيجي لا يبعد كثيرًا عن قلب حركة الملاحة في مضيق جبل طارق.
وبعبارة أخرى، فإن العد التنازلي قد بدأ بالفعل، ومع وصول أولى سفن الحاويات إلى الناظور غرب المتوسط، لن يكون مضيق جبل طارق مجرد ممر يفصل بين ضفتين، بل قد يتحول إلى ساحة منافسة اقتصادية ولوجستية مفتوحة، حيث تسعى الموانئ المغربية إلى انتزاع حصة أكبر من حركة التجارة العالمية، بينما تجد موانئ الضفة الشمالية نفسها أمام واقع جديد.
المنافس هذه المرة لم يعد يلوّح من بعيد … بل أصبح يقترب من الرصيف.
11/09/2026