يبدو أن صعود المغرب في المشهد الدولي بدأ يفرض نفسه حتى داخل دوائر التفكير الاستراتيجي الإسبانية، بعدما باتت مدريد تبحث عن أوراق جديدة لمواجهة ما تصفه بعض مراكز الدراسات بـ”الصعود الاستراتيجي للمغرب”، في وقت تتعزز فيه الشراكة بين الرباط وواشنطن، وتتسع مكانة المملكة كفاعل وازن في إفريقيا ومنطقة الساحل والشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، دعا تقرير حديث صادر عن معهد إلكانو الملكي، أحد أبرز مراكز التفكير في إسبانيا، إلى تعزيز ما يسميه “الأصول الاستراتيجية” الإسبانية، وعلى رأسها قاعدتا روتا ومورون، إضافة إلى عضوية إسبانيا في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، باعتبارها أوراقا ينبغي لمدريد استثمارها للحفاظ على موقعها لدى الولايات المتحدة، في مواجهة التحول المتزايد في مكانة المغرب.
والتقرير، الذي وقعه مدير المعهد تشارلز باول والباحثة الرئيسية كارلوتا غارسيا إنسينا، لا يخفي حقيقة أساسية: المغرب لم يعد ذلك الجار الذي يمكن التعامل معه بمنطق الملفات الثنائية التقليدية، بل أصبح شريكا تحرص قوى دولية كبرى على الاستماع إليه ومراعاة موقعه ومصالحه.
وتأتي هذه القراءة في وقت اختارت فيه مدريد، على ما يبدو، العودة إلى لغة “التوازنات الاستراتيجية”. فبعدما أصبحت الرباط حاضرة بقوة في حسابات واشنطن وتل أبيب، وبعد أن تحولت العلاقات المغربية الأمريكية إلى شراكة استراتيجية، باتت إسبانيا مطالبة، وفق الرؤية التي يقدمها التقرير، بتعزيز أوراقها الخاصة حتى لا تجد نفسها في موقع أقل تأثيرا داخل معادلة إقليمية تتغير بسرعة.
واللافت أن التقرير لا يقترح مواجهة المغرب بشكل مباشر، بل يدعو إلى عدم الاكتفاء بردود الفعل على التحركات الدبلوماسية المغربية، والعمل بدلا من ذلك على تعزيز العناصر التي تجعل إسبانيا شريكا “يصعب الاستغناء عنه” بالنسبة إلى الولايات المتحدة. ومن بين هذه العناصر قواعد روتا ومورون، والموقع الجغرافي عند مضيق جبل طارق، والعضوية المزدوجة في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، فضلا عن قدرة مدريد على التحرك في منطقة المغرب العربي والساحل.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فبدل أن يكون الحديث عن كيفية منافسة المغرب اقتصاديا ودبلوماسيا، أصبح النقاش الإسباني يدور حول كيفية الحفاظ على موقع إسبانيا نفسها أمام حليف أمريكي بات يرى في الرباط شريكا استراتيجيا متزايد الأهمية.
والمغرب، من جهته، لم يصل إلى هذه المكانة بين ليلة وضحاها. فقد راكم خلال السنوات الأخيرة شبكة واسعة من الشراكات والتحالفات، مستفيدا من موقعه الجغرافي، وعلاقاته الإفريقية، ودوره في قضايا الأمن ومكافحة الإرهاب، فضلا عن علاقاته المتقدمة مع الولايات المتحدة وإسرائيل وعدد من القوى الدولية.
وتشكل سنة 2020 محطة بارزة في هذا المسار، بعدما اعترفت إدارة دونالد ترامب بسيادة المغرب على صحرائه، بالتزامن مع استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية في إطار اتفاقات أبراهام. ومنذ ذلك الوقت، ازدادت أهمية الرباط بالنسبة إلى واشنطن باعتبارها بوابة نحو إفريقيا وشريكا قادرا على التحرك في ملفات الساحل والأمن والطاقة والتجارة.
كما أن العلاقات المغربية الأمريكية ليست وليدة السنوات الأخيرة، بل تمتد إلى جذور تاريخية عميقة، وهو ما يمنحها بعدا استراتيجيا يتجاوز الظرف السياسي الحالي.
وفي المقابل، أصبحت إسبانيا تكتشف أن موقعها الجغرافي وحده لم يعد كافيا لضمان التفوق في المنطقة. فمضيق جبل طارق، وقواعدها العسكرية، وعلاقاتها الأوروبية والأطلسية، كلها أوراق مهمة، لكنها لا تلغي حقيقة أن المغرب نفسه أصبح يمتلك أوراقا متزايدة في معادلات الأمن والتجارة والطاقة والاستثمار في إفريقيا.
بل إن التقرير الإسباني يلفت الانتباه إلى عامل آخر يتمثل في الدور الذي لعبه مغاربة من الديانة اليهودية في بناء جسور بين الرباط وواشنطن وتل أبيب، وهو ما يكشف مرة أخرى عن تعدد القنوات التي تمكن المغرب من خلالها من توسيع حضوره الدبلوماسي في دوائر القرار الدولي.
أما الولايات المتحدة، فترى في المغرب شريكا يتجاوز ملف مكافحة الإرهاب، إلى منصة استراتيجية للانفتاح على القارة الإفريقية، في وقت تتنافس فيه واشنطن مع الصين على النفوذ الاقتصادي والسياسي داخل القارة.
ومن هنا، تصبح الصحراء المغربية جزءا من معادلة أوسع بكثير من مجرد نزاع إقليمي، لأنها ترتبط أيضا بمستقبل المبادلات التجارية بين أوروبا وإفريقيا، وبالممرات البحرية، وبالمشاريع الاستثمارية، وبإعادة رسم خريطة العلاقات الاقتصادية في المنطقة.
وفي خضم هذه التحولات، تجد إسبانيا نفسها أمام معادلة دقيقة. فهي من جهة عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وتمتلك قواعد عسكرية ذات أهمية بالنسبة إلى الولايات المتحدة، ومن جهة أخرى توجد على تماس مباشر مع المغرب، الذي أصبحت علاقاته بواشنطن أكثر عمقا، فيما تتسع أدواره الإفريقية والإقليمية.
ولذلك لم تعد روتا مجرد قاعدة عسكرية إسبانية تستضيف القوات الأمريكية، بل تحولت في الخطاب الاستراتيجي الإسباني إلى ورقة ينبغي استثمارها للحفاظ على مكانة مدريد، في مواجهة ما تعتبره صعودا مغربيا متسارعا.
حتى التحركات الأخيرة المرتبطة بسبتة المحتلة دخلت، بحسب القراءة الإسبانية، في هذه الحسابات الأوسع، بعدما أصبحت المدينة المحتلة نقطة تقاطع بين الأمن والهجرة والسياسة والعلاقات المغربية الإسبانية، بل وبين التنافس الدولي على النفوذ في غرب المتوسط.
وفي هذا السياق، جاءت التحركات الملكية الإسبانية الأخيرة واللقاءات الأمنية والعسكرية لتبعث برسائل متعددة، فيما حمل حضور الملك فيليب السادس إلى قاعدة روتا، خلال إحياء ذكرى هجمات 11 سبتمبر، دلالات تتجاوز المناسبة نفسها، خصوصا أن مدريد تبدو حريصة على إعادة التأكيد على أهمية علاقتها بواشنطن.
لكن المفارقة أن كل هذه التحركات تكشف، في نهاية المطاف، حجم التحول الذي طرأ على موقع المغرب. فحين يصبح صعود الرباط سببا في دفع مؤسسة استراتيجية إسبانية إلى المطالبة بتقوية القواعد العسكرية والعلاقات الأطلسية للحفاظ على التوازن، فإن الرسالة الأهم لا تأتي من الرباط وحدها، بل من داخل مدريد نفسها.
لقد تغيرت المعادلة. المغرب لم يعد مجرد جار جنوبي تنتظر منه إسبانيا التعاون في ملفات الهجرة والأمن والصيد والتجارة، وإنما أصبح رقما صعبا في حسابات واشنطن وإفريقيا والساحل والشرق الأوسط، وصارت تحركاته الدبلوماسية والاقتصادية تحظى بمتابعة داخل مراكز القرار الأوروبية.
وبينما تبحث مدريد عن “أصول” توازن بها صعود المغرب، يواصل المغرب بناء أصوله الخاصة: علاقات دولية متشعبة، حضور إفريقي متزايد، مشاريع استراتيجية، شراكات اقتصادية، وموقع جغرافي يتحول تدريجيا من مجرد ميزة طبيعية إلى ورقة جيوسياسية.
وهكذا، يبدو أن السؤال الذي يؤرق بعض الدوائر الإسبانية لم يعد: كيف نواجه المغرب؟ بل أصبح أكثر إحراجا: كيف نحافظ نحن على وزننا، بينما يواصل المغرب رفع سقف حضوره؟
وفي لعبة النفوذ الجديدة، قد لا تكون روتا ومورون سوى محاولة إسبانية لإمساك الميزان، بينما يتحرك المغرب لبناء ميزان جديد تماما.
13/09/2026