kawalisrif@hotmail.com

“النهج” يصطدم بالسلطات في معركة مقاطعة الانتخابات التشريعية … منع وتوقيفات أم محاولة لفرض خطاب سياسي غير قانوني ؟

“النهج” يصطدم بالسلطات في معركة مقاطعة الانتخابات التشريعية … منع وتوقيفات أم محاولة لفرض خطاب سياسي غير قانوني ؟

لم تبدأ معركة الانتخابات التشريعية المقبلة بصناديق الاقتراع، بل بدأت من الشارع، بعدما اختار حزب النهج الديمقراطي خوض حملة مغايرة تماماً لباقي الأحزاب، عنوانها الأبرز هو الدعوة إلى مقاطعة انتخابات 23 شتنبر، لتدخل السلطات والحزب في مواجهة سياسية وحقوقية مفتوحة.

الحزب يقول إن حملته اصطدمت بالمنع والتضييق والتوقيف، بينما تبدو السلطات، وفق رواية “النهج”، وكأنها قررت التعامل بحزم مع أنشطة المقاطعة، خصوصاً بعد تدخل القوات العمومية في منطقة البرنوصي بالدار البيضاء لمنع أعضاء الحزب من توزيع منشورات تدعو إلى عدم المشاركة في الانتخابات.

ولم يتوقف التصعيد عند العاصمة الاقتصادية، إذ أعلن الحزب توقيف أربعة من أعضائه بمدينة بني ملال، أثناء توجههم للمشاركة في نشاط مرتبط بحملة المقاطعة، قبل اقتيادهم إلى مخفر الدرك والاستماع إليهم ثم إطلاق سراحهم.

هذه الوقائع فجرت غضب قيادة “النهج”، التي سارعت إلى اتهام السلطات بالتضييق على نشاطها السياسي، معتبرة أن منع توزيع المنشورات بالاستناد إلى “تعليمات شفوية”، من دون تقديم قرار مكتوب، يعكس، حسب تعبير أمينها العام جمال براجع، استمرار منطق التعليمات بدل الاحتكام إلى القانون.

لكن في المقابل، فإن الحكاية لا تتعلق فقط بحق حزب في التعبير عن موقفه، بل تفتح سؤالاً أوسع وأكثر إحراجاً: هل يمكن أن تتحول حملة مقاطعة الانتخابات إلى مواجهة مباشرة مع السلطات خلال فترة انتخابية حساسة؟ وأين ينتهي الحق في التعبير ويبدأ حق الدولة في تنظيم المجال الانتخابي؟

“النهج” يصر على أن المقاطعة موقف سياسي مشروع، وأن من اختار عدم المشاركة يجب أن تكون له، من حيث المبدأ، إمكانية شرح موقفه للمواطنين بالوسائل السلمية. وهو موقف سياسي واضح لا يحاول الحزب إخفاءه، بل يسعى إلى تحويله إلى حملة ميدانية واسعة قبل موعد الاقتراع.

غير أن الحزب، في المقابل، لا يكتفي بالدعوة إلى المقاطعة، بل يوجه انتقادات جذرية إلى العملية الانتخابية برمتها، ويتحدث عن غياب شروط الديمقراطية والنزاهة، وعن تحكم إداري في الخريطة السياسية، وضعف المؤسسات المنتخبة، وتراجع الحريات، إضافة إلى أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية يعتبرها مبررات إضافية لموقفه.

ففي الوقت الذي يطالب فيه “النهج” بفتح المجال أمام خطابه الرافض للانتخابات، فإنه يقدم في الوقت نفسه صورة شديدة السلبية عن هذه الانتخابات وعن المؤسسات والأحزاب المشاركة فيها، وكأن الاستحقاق، وفق قراءته، لا يستحق المشاركة أصلاً.

أما السلطات، فإذا كانت قد منعت فعلاً أنشطة الحزب السلمية لمجرد أنها تدعو إلى المقاطعة، فإن ذلك يطرح بدوره أسئلة ثقيلة حول حدود حرية التعبير السياسي، خصوصاً أن الانتخابات لا ينبغي أن تتحول إلى مناسبة يُسمح فيها فقط للأصوات المؤيدة للمشاركة بالوصول إلى المواطنين.

المشكلة أن منع خطاب المقاطعة، إن ثبت دون سند قانوني واضح، قد يمنح هذا الخطاب زخماً أكبر بدل إضعافه، بينما استمرار “النهج” في تقديم الانتخابات باعتبارها مجرد عملية شكلية يضع الحزب بدوره أمام سؤال آخر: هل يستطيع إقناع المواطنين بالمقاطعة ببرنامج سياسي واضح، أم أن خطابه سيظل قائماً أساساً على رفض العملية الانتخابية ومهاجمة المؤسسات؟

وفي خضم هذه المواجهة، رفعت القيادية في الحزب سعاد براهمة سقف الانتقاد، معتبرة أن ما يتعرض له “النهج” يمثل، من وجهة نظرها، مصادرة لحق دستوري وتجريماً للممارسة السياسية، وانتقدت ما وصفته بازدواجية في التعامل بين الأحزاب التي تخوض الانتخابات والحزب الذي اختار مقاطعتها.

وبين خطاب الحزب الذي يطالب بحقه في التعبير، والسلطات التي تتحمل مسؤولية توضيح الأساس القانوني لأي منع أو توقيف، يجد المواطن نفسه أمام سؤال أكبر من مجرد توزيع منشور انتخابي: هل تتسع الساحة السياسية المغربية للصوت الذي يقول “لا” للانتخابات بنفس القدر الذي تتسع فيه للأصوات التي تطلب من المواطنين التصويت؟

فالانتخابات الديمقراطية لا تُقاس فقط بعدد المرشحين واللوائح وصناديق الاقتراع، وإنما أيضاً بقدرة المجال السياسي على استيعاب المؤيد والمعارض والمشارك والمقاطع، كلٌّ في حدود القانون.

وبالمقابل، فإن الدعوة إلى المقاطعة لا تعفي أصحابها من مسؤولية تقديم خطاب سياسي مقنع، ولا تجعل كل إجراءات السلطات بالضرورة قمعاً، كما أن مجرد صدور تعليمات أو تدخلات ميدانية لا يجعلها تلقائياً مشروعة ما لم تستند إلى أساس قانوني واضح.

وبين الطرفين، تبدو الأيام العشرة الأخيرة التي تسبق اقتراع 23 شتنبر مرشحة لمزيد من التوتر السياسي، خصوصاً إذا واصل “النهج” حملته الميدانية، وواصلت السلطات منع أنشطته أو توقيف المشاركين فيها.

وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: من سيصوت ومن سيقاطع؟ بل أصبح: هل ستنجح السلطات في إدارة معركة المقاطعة بالقانون، وهل سينجح “النهج” في تحويل رفضه للانتخابات إلى خطاب سياسي يقنع المغاربة، بدل الاكتفاء بمهاجمة العملية الانتخابية؟

13/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts