حين تتحول جمعية أُنشئت لخدمة المدرسة والمتعلمين إلى عنوان للجدل والأسئلة، يصبح الصمت عن علامات الاستفهام نوعاً من الحكامة الغريبة التي يبدو فيها كل شيء واضحاً، إلا ما يتعلق بالمال. وفي إقليم الناظور، تتزايد تساؤلات عدد من الآباء وأولياء الأمور بشأن استمرار جمع الأموال والمساهمات داخل المؤسسات التعليمية تحت يافطة جمعية تنمية التعاون المدرسي، في وقت تُثار فيه أسئلة حول الوضعية القانونية لمكاتب الجمعية ومدى استمرار صلاحية أجهزتها المسيرة. والسؤال هنا بسيط جداً، ولا يحتاج إلى قاموس إداري: إذا كانت الوضعية القانونية واضحة، فلماذا لا تُشرح بوضوح؟ وإذا كانت الأمور سليمة، فما الذي يمنع من وضع الوثائق فوق الطاولة؟
والأكثر إثارة للاستغراب هو السؤال المتعلق باستمرار تحصيل المساهمات المالية، إذا كانت مدة انتداب الأجهزة المسيرة للجمعية قد انتهت منذ مدة طويلة، وفق ما يتم تداوله. فمن يملك، في هذه الحالة، حق جمع الأموال؟ ومن منح الإذن؟ ومن تحقّق من الوضعية القانونية قبل أن تُفتح أبواب المؤسسات التعليمية أمام عمليات التحصيل؟ فالأمر لا يتعلق هنا بجمع طوابع بريدية أو تنظيم رحلة مدرسية عابرة، وإنما بأموال تُحصّل من أسر وتلاميذ باسم العمل التربوي. وبالتالي، فمن الطبيعي أن يسأل صاحب المال عن مصيره، ومن حقه أيضاً أن يعرف من يملك الصفة القانونية لتحصيله والتصرف فيه.
أما عبارة “الأنشطة المدرسية”، فتبدو أحياناً وكأنها صندوق سحري يمكن أن تختفي داخله كل الأسئلة دفعة واحدة. فحين تُجمع الأموال، ينبغي أن يكون واضحاً كم جُمع، ومن جمعه، وأين أودع، وكيف صُرف، ومن قرر صرفه، ومن راقب العملية. أما الاكتفاء بعناوين فضفاضة من قبيل “أنشطة” و”تكريمات” و”مصلحة مدرسية”، فلا يكفي وحده لإغلاق الملف، خصوصاً عندما تُطرح تساؤلات حول تجهيز مرافق أو اقتناء معدات أو تنظيم مناسبات، ومدى ارتباط كل ذلك فعلاً بالأهداف التي جُمعت المساهمات باسمها. فالمال لا يحتاج إلى خطبة دفاعية طويلة، بل يحتاج إلى وثيقة وفاتورة وحساب واضح.
وإذا كانت الحسابات سليمة، فلا داعي لكل هذا القلق؛ يكفي ببساطة إخراجها إلى الضوء. وإذا كانت العمليات قانونية، فليُكشف سندها. وإذا كانت المصاريف مبررة، فلتتحدث الوثائق. أما تحويل كل سؤال إلى مصدر إزعاج، وكأن المطالبة بالشفافية جريمة في حد ذاتها، فلن يزيد الوضع إلا غموضاً. فالأسرة التي تدفع مساهمة مالية ليست شريكاً صامتاً مطلوباً منه أن يدفع ثم يغادر المشهد، وإنما طرف له الحق في السؤال والمطالبة بالتوضيح، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأموال تُجمع داخل فضاء يفترض أن يكون نموذجاً للانضباط والمسؤولية.
وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية مصلحة الشؤون القانونية والتواصل والشراكة بالمديرية الإقليمية في التحقق من الوضعية القانونية للجمعية ومدى قانونية العمليات التي تتم باسمها داخل المؤسسات التعليمية. فإذا كان ما يُتداول حول انتهاء مدة انتداب الأجهزة المسيرة صحيحاً، فإن السؤال يصبح أكثر إحراجاً: بأي سند تستمر عمليات جمع الأموال؟ ومن أعطى الضوء الأخضر؟ ومن راجع الملفات قبل السماح باستمرار العملية؟ فالإدارة لا يُفترض أن تكتفي بمراقبة ما يحدث بعد أن تشتعل الأسئلة، بل يفترض أن تكون لها عين قانونية مفتوحة قبل أن يبدأ التحصيل، لا بعد أن تبدأ الشكايات والتساؤلات.
والمطلوب اليوم ليس شيطنة التعاون المدرسي ولا تصفية الحسابات مع الجمعية، بل العكس تماماً: حماية هذه المؤسسة من كل ما يمكن أن يسيء إلى اسمها أو تاريخها. فقد ارتبط التعاون المدرسي، في مراحل سابقة، بأدوار تربوية واجتماعية مهمة، وساهم في دعم أنشطة وخدمات لفائدة المتعلمين. ولذلك فإن أفضل خدمة يمكن تقديمها له ليست الدفاع الأعمى عنه، وإنما إخضاع وضعه القانوني والمالي للوضوح، وتجديد هياكله وفق القواعد، وربط موارده بأهدافه، وإبعاد اسمه عن أي ممارسة قد تثير الشبهة أو الالتباس. فالجمعية لا تحميها الشعارات، وإنما تحميها الوثائق والقانون والحسابات.
أما الآباء والأولياء، فلا يطلبون المستحيل. إنهم يريدون فقط معرفة أين تذهب الأموال التي يُطلب منهم دفعها باسم أبنائهم. وهذا سؤال مشروع، بل طبيعي جداً. فإذا كانت هناك مساهمات جُمعت، فينبغي أن تكون لها وجهة معلومة. وإذا كانت هناك مصاريف، فينبغي أن تكون مبررة. وإذا كانت هناك تجهيزات وأنشطة وتكريمات، فينبغي أن تكون قابلة للتوثيق والمراقبة. وإذا كان كل شيء قانونياً وسليماً، فليكن ذلك واضحاً للجميع. أما أن يُطلب من الأسر الدفع، ثم يُقال لها، بطريقة أو بأخرى، “لا تسألوا كثيراً”، فهذه ليست حكامة، بل وصفة جاهزة لتكاثر الشكوك.
والأخطر أن استمرار الغموض قد يفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل ما زالت هناك رقابة فعلية على الأموال التي تُجمع باسم التعاون المدرسي، أم أن الملف أصبح يسير بمنطق “دعوا الأمور تمضي ما دامت لم تنفجر”؟ لأن هذا النوع من التدبير، إن وُجد، لا يحمي لا الجمعية ولا الإدارة ولا المؤسسات التعليمية. بل على العكس، قد يجعل الجميع في مواجهة أسئلة كان يمكن الإجابة عنها منذ البداية بوثائق بسيطة وواضحة. فالشفافية لا تحتاج إلى اجتماعات ماراثونية، ولا إلى بيانات مليئة بالمصطلحات، وإنما تحتاج إلى كشف الحسابات والوثائق أمام الجهات المخولة قانوناً بالاطلاع والمراقبة.
ومن هنا، فإن الرسالة إلى المسؤولين ليست معقدة: افتحوا الملفات، تحققوا من الوضعية القانونية، راجعوا الحسابات، دققوا في عمليات التحصيل والصرف، واستمعوا إلى الأسر. فإذا كانت الأمور سليمة، فليظهر ذلك بالأدلة، وإذا كانت هناك اختلالات، فلتُحدد المسؤوليات وفق القانون. أما ترك الملف معلقاً بين الصمت والتبرير، فلن يؤدي إلا إلى جعل الأسئلة أكثر إلحاحاً. ولا ينبغي أن يكون اسم “التعاون المدرسي” بمثابة مظلة واسعة تختبئ تحتها كل الممارسات، لأن التعاون وُجد لخدمة المدرسة والمتعلم، وليس لتوفير منطقة رمادية لا يعرف فيها أحد أين يبدأ القانون وأين تنتهي المسؤولية.
وفي النهاية، لا يحتاج الأمر إلى معجزات ولا إلى عبقرية محاسبية خارقة. المطلوب أبسط من ذلك بكثير: وثائق، حسابات، سند قانوني، ومراقبة. فإذا كانت الوضعية القانونية سليمة، فلتُثبت. وإذا كانت المساهمات قانونية، فليُكشف سندها. وإذا كانت الأموال صُرفت في أهدافها، فلتتكلم الحسابات. وإذا ظهرت اختلالات، فليتحمل كل طرف مسؤوليته. أما إبقاء الأسئلة معلقة، فليس جواباً، والصمت لا يتحول إلى شفافية مهما طال. وفي النهاية، المال الذي يُجمع باسم التلميذ ليس مالاً بلا ذاكرة، والوثيقة التي تثبت أين ذهب لا ينبغي أن تكون سراً من أسرار الدولة.
13/09/2026