يبدو أن إسبانيا دخلت مرحلة جديدة من القلق تجاه سبتة ومليلية والجزر والصخور الواقعة قبالة السواحل المغربية، بعدما قررت تعزيز حضورها العسكري في ما تسميه “مناطق السيادة الإسبانية” بشمال إفريقيا. فبدل أن تكتفي مدريد بالتصريحات السياسية والخرائط المعلقة في المكاتب، انتقلت إلى لغة أخرى: الجنود، والمراقبة، والرادارات، والمولدات الكهربائية، ومحطات تحلية المياه.
وتعمل وزارة الدفاع الإسبانية تعمل على تعزيز وجودها العسكري في عدد من المواقع التي تصفها مدريد بأنها تابعة لها، وعلى رأسها صخرة “باديس” وجزيرة النكور بشواطئ الحسيمة ، وجزر إشفاران بإقليم الناظور ، إلى جانب جزيرة ليلى، فضلا عن سبتة ومليلية المحتلتين.
واللافت أن الأرقام نفسها تكشف حجم المفارقة. ففي جزيرة إشفاران يوجد حاليا نحو 40 عسكريا، وفي صخرة الحسيمة 38 عسكريا، بينما تتمركز قوة من نحو 25 عسكريا في صخرة باديس. أي أن مدريد تتعامل مع قطع صخرية صغيرة، بعضها بلا سكان مدنيين، وكأنها تنتظر منها في كل صباح أن تعلن الحرب على أوروبا!
أما صخرة باديس، فتبدو في الرواية الإسبانية أشبه بـ”أخطر حدود العالم”، رغم أن طول الخط الذي يفصلها عن الأراضي المغربية لا يتجاوز 85 مترا. وتقول الصحيفة إن الصخرة، التي كانت جزيرة في الأصل، تحولت إلى شبه جزيرة بعد زلزال سنة 1930، بعدما ربطها باليابسة لسان رملي صغير.
وهنا تظهر المفارقة التي يصعب تجاهلها: مدريد تتحدث عن “الدفاع عن السيادة” فوق مساحة لا تتجاوز نحو 19 ألف متر مربع، وتخصص لها حامية عسكرية دائمة، بينما لا يتوقف خطابها عن تقديم المغرب باعتباره مصدر تهديد محتمل. وكأن الجغرافيا نفسها أصبحت في حاجة إلى حراسة مشددة حتى لا تذكّر أحدا بأن هذه المواقع تقع قبالة الساحل المغربي مباشرة.
وفي جزر الحسيمة، تواصل إسبانيا إبقاء نحو 38 عسكريا من الفيلق الإسباني، فيما توجد جزر “البحر” و”الأرض” على مسافة قريبة جدا من باقي الساحل المغربي. أما إشفاران، الواقعة على بعد نحو 3.5 كيلومترات فقط من رأس كبدانة، فتضم بدورها حامية عسكرية قوامها نحو 40 فردا.
لكن يبدو أن الأمر لم يعد يتعلق بالجنود وحدهم. فقد شرعت مدريد أيضا في تحديث البنية التحتية لهذه المواقع، في خطة تشمل تعزيز استقلاليتها في الماء والكهرباء، وتركيب مولدات كهربائية جديدة، ومحطة لتحلية مياه البحر، وتحديث أنظمة المراقبة والكاميرات والرادارات والاتصالات.
وتحدث المصدر الإسباني عن تسعة مولدات كهربائية جديدة بقدرة 150 كيلو فولت أمبير، ستوزع بالتساوي بين إشفاران وصخرة الحسيمة وصخرة باديس. كما يجري تعزيز أنظمة المراقبة الإلكترونية والحماية المحيطية.
باختصار، إسبانيا لا تريد فقط أن تحرس الصخور، بل تريد أن تجعلها مكتفية ذاتيا: كهرباء، وماء، وكاميرات، ورادارات، واتصالات. بقي فقط أن تنقل إليها محلات تجارية ومدارس ومراكز صحية حتى تكتمل صورة “المدن الإسبانية” فوق صخور لا يسكنها المدنيون أصلا!
والأكثر دلالة أن مدريد لم تنتظر أزمة سبتة في 30 و31 يوليوز 2026 حتى تبدأ في رفع مستوى اليقظة. فقد كانت عمليات الحضور والمراقبة والردع قد تعززت قبل ذلك، في سبتة ومليلية وباقي المواقع. كما جرى تفقد الحاميات والمواقع العسكرية، في وقت تؤكد فيه هيئة الأركان الإسبانية أن قواتها مستعدة لاستخدام مختلف قدراتها العسكرية عند الضرورة.
وفي سبتة ومليلية المحتلتين، يصل عدد العسكريين المنتشرين إلى نحو 3 آلاف في كل مدينة، فيما تتحدث الوثائق العسكرية الإسبانية عن تصور دفاعي واسع للموانئ يعتمد على المدفعية والصواريخ والطائرات المسيرة، إلى جانب أنظمة مضادة للطائرات والمسيرات، والحرب الإلكترونية، والدفاع السيبراني.
كل هذا يجعل السؤال أكثر إلحاحا: هل نحن أمام استعداد عسكري لحرب محتملة، أم أمام محاولة إسبانية لتعويض هشاشة سياسية وجغرافية عبر تضخيم الحضور العسكري؟
فالمغرب لم يعلن حربا على إسبانيا، ولم يرسل دباباته إلى شواطئ سبتة ومليلية، ولا يبدو أن الرباط تحتاج إلى معركة عسكرية لكي تطرح ملفاتها التاريخية والترابية. لكن مدريد، في المقابل، تبدو وكأنها تعيش تحت تأثير هاجس دائم اسمه المغرب، فتزيد الجنود هنا، والكاميرات هناك، والمولدات في مكان ثالث، ثم تنظر إلى كل ذلك باعتباره “ردعا”.
والأغرب أن الصحيفة الإسبانية نفسها تعيد إلى الواجهة جزيرة ليلى، التي كانت مسرحا لأزمة عسكرية بين المغرب وإسبانيا سنة 2002. صخرة صغيرة لا تكاد تُرى على الخريطة، لكنها كانت كافية لتكشف في حينها أن حجم الأرض لا يساوي دائما حجم الملف السياسي.
اليوم، وبعد أكثر من عقدين، يبدو أن مدريد لم تتخلص من عقدة تلك الصخرة. بل ربما قررت أن تعالجها بالطريقة التي تتقنها المؤسسات العسكرية: المزيد من الجنود، والمزيد من المعدات، والمزيد من المراقبة.
أما المغرب، فله حساب آخر أكثر هدوءا وأطول نفسا. فملفات سبتة ومليلية المحتلتين والجزر والصخور لا تُقاس بعدد الجنود الموجودين فوقها، ولا بعدد الكاميرات التي تحيط بها، وإنما بمنطق التاريخ والجغرافيا والسياسة وموازين المستقبل.
وفي النهاية، قد تستطيع مدريد أن تحرس الصخور، وأن تؤمّن لها الكهرباء والماء، وأن تزرع فوقها الرادارات والكاميرات، لكنها لن تستطيع أن تغيّر موقعها الجغرافي. ستظل تلك الصخور والجزر قبالة السواحل المغربية، وسيظل سؤال السيادة قائما مهما ارتفع عدد الجنود فوقها.
لقد قررت إسبانيا، على ما يبدو، أن تجعل من الصخور قلاعا، ومن المولدات خطوط دفاع، ومن الكاميرات جدارا جديدا في المتوسط. لكن المشكلة أن الجغرافيا لا تخاف من الجنود، والتاريخ لا يتراجع أمام الرادارات… وقد يكون أكبر ما تخشاه مدريد ليس “هجوما” مغربيا، بل يوما تصبح فيه الحقيقة الجغرافية والسياسية أقوى من كل الأسلاك والكاميرات التي نصبتها فوق تلك الصخور.
13/09/2026