kawalisrif@hotmail.com

سبتة :      إسبانيا تريد تحويل جنودها إلى رجال سلطة بعد 45 يوماً من الفوضى

سبتة : إسبانيا تريد تحويل جنودها إلى رجال سلطة بعد 45 يوماً من الفوضى

بعد أكثر من 45 يوماً على موجة الدخول الجماعي التي شهدتها سبتة المحتلة يومي 30 و31 يوليوز، يبدو أن السلطات الإسبانية ما زالت تبحث عن وصفة متأخرة لاحتواء تداعيات أزمة لم تعد مجرد ملف للهجرة، بل تحولت إلى اختبار صعب لقدرة الدولة على فرض الأمن داخل المدينة. وفي أحدث خطوة، أعلن الحزب الشعبي الإسباني أنه سيتقدم في مجلس الشيوخ بمبادرة تطالب بمنح العسكريين المنتشرين في سبتة صفة أعوان سلطة بشكل مؤقت.

المقترح، وفق ما أوردته صحيفة اسبانية، يرمي إلى منح الجنود صلاحيات أوسع وحماية قانونية أكبر أثناء أداء مهامهم، خصوصاً في ظل ما وصفه الحزب بهجمات وكمائن استهدفت دوريات عسكرية في أحياء هامشية ومناطق قريبة من الحدود الوهمية. وهي خطوة تكشف، قبل أي شيء، حجم الارتباك الذي بات يطبع تدبير الوضع في المدينة، بعدما أصبح الجيش نفسه في قلب المشهد الأمني، بينما تتواصل التوترات في محيط مخيمات المهاجرين.

وبحسب المقترح، فإن العسكريين، بتنسيق مع الشرطة الوطنية والحرس المدني، سيتمكنون من إصدار أوامر للمدنيين، والتحقق من هوياتهم، واحتجازهم بشكل احترازي، وتقييد المرور وإقامة طوق أمني عند الضرورة. كما ستكتسب تقاريرهم وتصريحاتهم وشكاياتهم قوة قانونية أكبر، فيما قد تصنف الاعتداءات عليهم كاعتداء على موظفي السلطة، بما يترتب عن ذلك من تبعات جنائية.

الحزب الشعبي لا يخفي أن تحركه يأتي في أعقاب ما يقول إنها اعتداءات استهدفت القوات المنتشرة في المدينة، لكنه في الوقت نفسه يوجه سهاماً حادة إلى حكومة بيدرو سانشيز، متهماً إياها بالتأخر في التعامل مع الأزمة. فبعد مرور أكثر من شهر ونصف على الأحداث، يقول الحزب إن الوضع لم يتحسن، بل سلك منحى أكثر سوءاً، مطالباً الحكومة بالتوقف عن سياسة رد الفعل واتخاذ إجراءات تضمن أمن السكان والقوات الموجودة على الأرض.

واللافت أن المقترح لا يتحدث عن تغيير دائم في طبيعة المؤسسة العسكرية، بل عن إجراء استثنائي ومؤقت مرتبط باستمرار الظروف التي تعتبرها مدريد استثنائية. ويستند الحزب إلى قوانين الدفاع والمسار العسكري والأنظمة المتعلقة بأمن القوات المسلحة، مع اقتراح إصدار مرسوم ملكي يمنح العسكريين المنتشرين في المنطقة الصلاحيات الإضافية.

لكن خلف اللغة القانونية الباردة، تختبئ صورة أكثر سخونة: جنود على الحدود، دوريات تتعرض للرشق والاستهداف، مخيمات تعيش على وقع التوتر، ومهاجرون ينتشرون في نقاط مختلفة من المدينة، فيما تتوالى الدعوات السياسية إلى تشديد القبضة الأمنية. وهكذا تجد إسبانيا نفسها أمام مفارقة صارخة؛ فبعد أن دخلت الأزمة من بوابة الهجرة، انتهت إلى استدعاء منطق أمني استثنائي ومنح الجيش صلاحيات أقرب إلى صلاحيات رجال السلطة.

والأكثر إحراجاً للحكومة الإسبانية أن هذه الإجراءات تأتي بعد أسابيع من الأحداث، لا قبلها، ما يفتح الباب أمام سؤال ثقيل: لماذا احتاجت مدريد إلى كل هذا الوقت حتى تصل إلى فكرة حماية الجنود بصلاحيات قانونية إضافية، إذا كانت المؤشرات على الأرض تستدعي منذ البداية تعاملاً أمنياً أكثر صرامة؟

وبينما يحاول الحزب الشعبي تقديم المبادرة باعتبارها دفاعاً عن الجنود وسكان المدينة، فإن المشهد في سبتة المحتلة يكشف أزمة أعمق من مجرد نقص في الصلاحيات. إنها أزمة تدبير سياسي وأمني، حيث تتراكم الملفات فوق بعضها، من الهجرة إلى المخيمات، ومن الاحتكاكات الأمنية إلى التوتر الحدودي، حتى باتت مدريد تبحث عن حلول استثنائية لإدارة وضع لم تعد تنفع معه سياسة الترقيع.

وهكذا، تجد سبتة المحتلة نفسها أمام مشهد يزداد ثقلاً يوماً بعد آخر: جنود ينتشرون على الحدود، صلاحيات استثنائية يجري البحث عن غطائها القانوني، ومخيمات تتحول إلى بؤر توتر، بينما تبدو الحكومة الإسبانية وكأنها تطارد الأزمة بعد أن سبقتها الأحداث بخطوات. وما بدأ كأزمة هجرة بات اليوم يلامس الأمن والحدود والجيش، في مشهد يطرح أكثر الأسئلة إحراجاً على مدريد: ماذا تبقى من السيطرة عندما يصبح منح الجنود صفة أعوان سلطة هو الحل المطروح لاحتواء الفوضى؟ وإذا كانت هذه هي صورة سبتة بعد أكثر من 45 يوماً، فربما أن أخطر ما في الأزمة ليس ما حدث في نهاية يوليوز، بل ما قد يحدث عندما تنفلت تداعياتها من بين أيدي من يفترض أنهم يديرونها.

13/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts