kawalisrif@hotmail.com

سبتة المحتلة تغلي.. عسكريون إسبان يصرخون: “لا يسمحون لنا حتى بالدفاع عن أنفسنا!”.. السلاح ناقص والصلاحيات محدودة والثكنات تشتكي

سبتة المحتلة تغلي.. عسكريون إسبان يصرخون: “لا يسمحون لنا حتى بالدفاع عن أنفسنا!”.. السلاح ناقص والصلاحيات محدودة والثكنات تشتكي

يبدو أن أزمة سبتة المحتلة بدأت تفتح أبوابًا جديدة داخل إسبانيا، وهذه المرة من داخل المؤسسة العسكرية نفسها.. فالعسكريون الإسبان بالثغر المحتل قرروا كسر حاجز الصمت والإعلان عن احتجاج غير مسبوق، بعدما قالوا إنهم لم يعودوا قادرين على تحمل ما يصفونه بتصاعد الاعتداءات، وسط شعور متزايد بأنهم مطالبون بحماية المدينة، لكن بأيدٍ مقيدة ووسائل محدودة.. وكأن المطلوب هو حماية الثغر، مع ترك أدوات الحماية في مكان آخر.

وبحسب صحيفة إسبانية، يستعد العسكريون الإسبان لتنظيم وقفة احتجاجية يوم الأربعاء 16 سبتمبر الجاري في ساحة “لوس رييس” بسبتة المحتلة، بدعوة من جمعية القوات البرية والبحرية الإسبانية “ATME”، في تحرك وصفته الصحيفة بالتاريخي، باعتباره أول احتجاج من هذا النوع ينظمه عسكريون في المدينة.

والرسالة التي يوجهها المحتجون تبدو واضحة: “كفى”.. فالعسكريون يقولون إنهم يشعرون بالعجز عن حماية أنفسهم، بعدما أصبح تسليح الدوريات، وفق روايتهم، يقتصر أحيانًا على بندقية واحدة لكل أربعة أو خمسة أو حتى ستة عسكريين، في وقت يواجهون فيه، بحسب الصحيفة، وضعًا أمنيًا متوترًا واعتداءات متكررة.

وتقول الرواية الإسبانية إن عسكريين وعناصر من الشرطة والحرس المدني تعرضوا لهجمات جماعية بالحجارة واعتداءات مباشرة، مشيرة إلى حادثة وقعت يوم 27 غشت الماضي، حين تعرضت آلية عسكرية للرشق بالحجارة من طرف نحو 40 شخصًا، ما أسفر عن إصابة أربعة عسكريين اضطروا إلى طلب المساعدة عبر الرقم 112.

لكن المفارقة التي تضع سلطات الاحتلال الإسباني أمام أسئلة محرجة، هي أن هؤلاء العسكريين، وبعد مرور أسابيع على الأزمة، يقولون إنهم لا يتمتعون حتى بصفة “أعوان السلطة”، وهي الصفة التي كانت ستمنحهم صلاحيات أوسع في التعامل مع بعض الحالات الأمنية.

وبعبارة أخرى، يجد العسكري نفسه مطالبًا بحماية المدينة، لكن عندما تقع المواجهة تبدأ قائمة القيود والصلاحيات.. مطلوب منه أن يحمي، لكن ليس إلى درجة أن تصبح لديه صلاحيات حقيقية؛ ومطلوب منه أن يتدخل، لكن بعد أن يتأكد أولًا من أن التدخل لن يضعه في مأزق قانوني. إنها، باختصار، معادلة إسبانية تبدو فيها الحماية واجبًا، بينما الصلاحيات امتيازًا مؤجلًا.

ولم يتوقف غضب العسكريين عند مسألة الصلاحيات، بل امتد إلى ظروف العمل نفسها. فهم يطالبون أيضًا باعتبار المهنة العسكرية “مهنة خطرة”، مؤكدين أن حجم المخاطر التي يواجهونها في سبتة لا ينسجم، بحسبهم، مع الطريقة التي تتعامل بها السلطات الإسبانية مع وضعهم المهني.

رئيس جمعية “ATME”، ماركو أنطونيو غوميث، تحدث عن عسكريين أصيبوا بكسور وخلوع، وعن تعرضهم للرشق بالحجارة والركل واللكم، بل وعن كمائن وفخاخ في مناطق وعرة، معتبرًا أن الوضع لم يعد قابلًا للاستمرار.

والأكثر إثارة أن الجمعية تتحدث عن إرهاق نفسي وصل ببعض العسكريين، حسب روايتها، إلى حد إرسال أفراد أسرهم إلى شبه الجزيرة الإسبانية، بسبب المخاوف المرتبطة بالوضع الأمني في المدينة.

وهنا تحديدًا تظهر أزمة أخرى لا تقل حساسية عن الأزمة الأمنية.. فالعسكري الذي يفترض أن يحمي سبتة يجد نفسه، وفق تصريحات الجمعية، منشغلًا أيضًا بسلامة زوجته وأبنائه وأمه وأخواته وجيرانه، في مدينة تقول الصحيفة إن حالة التوتر فيها أصبحت تضغط حتى على أفراد القوات المكلفة بتأمينها.

ولذلك تطالب الجمعية بتوفير دعم نفسي للعسكريين، معتبرة أن الضغط عليهم أصبح مضاعفًا: حماية المدينة من جهة، والخوف على أسرهم من جهة أخرى.. أما سلطات الاحتلال، فتبدو مطالبة بإقناع الجميع بأن الأمور تحت السيطرة، فيما أصحاب الزي العسكري أنفسهم يقولون إنهم لا يشعرون بأنهم يملكون حتى شروط حماية أنفسهم.

أما يوم الأربعاء المقبل، فتريد “ATME” أن تجعل من وقفة سبتة المحتلة رسالة تتجاوز حدود الثغر، إذ دعت العسكريين والمدنيين والشرطة والحرس المدني إلى المشاركة، ورفعت شعارًا واضحًا: “سبتة مع عسكرييها.. الآن أو أبدًا”.

واللافت أن الجمعية تؤكد أن احتجاجها قانوني، وأنه يأتي في إطار المطالبة بتحسين ظروف العمل والحقوق المهنية. كما سبق لها أن نظمت احتجاجات في مدريد، كان آخرها في يونيو الماضي، عندما تجمع أكثر من مئة عسكري أمام البرلمان الإسباني احتجاجًا على ما وصفته بـ”الراتب الهزيل للجنود”، الذي يبلغ 1326 يورو.

وفي خضم كل ذلك، يوجه العسكريون رسالة مباشرة إلى الحكومة الإسبانية: نحن بحاجة إلى تعزيزات عاجلة، وأوامر واضحة وحازمة، ووسائل تمكننا من أداء مهامنا دون أن نبقى، حسب تعبيرهم، “مكشوفين ومقيدين أمام الاعتداءات”.

وبالتوازي مع التحرك المرتقب في سبتة المحتلة، رفعت جمعية “ATME” مطلب الاعتراف بالمهنة العسكرية كمهنة خطرة إلى البرلمان الأوروبي، عبر حزبي “الشعب” و”فوكس”، في محاولة لتوسيع الضغط على الحكومة الإسبانية.

لكن أكثر ما يكشف حجم الغضب داخل صفوف العسكريين هو حديث رئيس الجمعية عن ظروف يقول إنها لا تليق بمن يُطلب منهم “الدفاع عن سبتة والمواطنين والأمن وإسبانيا”، من وجبات غذائية بسيطة إلى أسرّة ميدانية، مرورًا بالعطل وساعات العمل الإضافية التي يقول العسكريون إنهم لا يتلقون عنها تعويضًا.

وهكذا، لا تبدو سبتة المحتلة أمام أزمة أمنية فقط، بل أمام أزمة ثقة تتسلل إلى المؤسسة التي يفترض أن تكون إحدى ركائز وجود سلطات الاحتلال الإسباني بالثغر.. عسكريون يخرجون إلى الشارع، ويطالبون بالسلاح والصلاحيات والحماية والاعتراف بمخاطر مهنتهم، بينما تتزايد الأسئلة حول قدرة مدريد على إدارة أزمة تتسع دائرتها يومًا بعد آخر.

والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: إذا كان العسكريون أنفسهم يقولون “لا يسمحون لنا بالدفاع عن أنفسنا”، فمن الذي سيقنع الإسبان بأن الأمور في سبتة المحتلة تسير، كما تحاول بعض الخطابات الرسمية الإيحاء، بشكل طبيعي؟ يبدو أن الثغر لم يعد يطرح الأسئلة على الحدود فقط.. بل بدأت الأسئلة تتسلل إلى الثكنات أيضًا، وهذه المرة ليس من خصوم سلطات الاحتلال، بل من داخل المؤسسة العسكرية نفسها.

14/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts