في خضم الحملة الانتخابية بالحسيمة، اختار محمد بودرا، وكيل لائحة حزب التقدم والاشتراكية، العودة إلى واجهة المشهد بخطاب يقوم ظاهرياً على المصارحة والابتعاد عن الوعود الانتخابية الفضفاضة، لكنه في المقابل يفتح الباب أمام قراءة أخرى ترى في استحضار مشاعر الساكنة وذاكرتها وانتظاراتها محاولة لاستعادة الثقة السياسية عبر مخاطبة العاطفة قبل تقديم أجوبة عملية عن الملفات العالقة.
ويقول بودرا: “لن أبيع لسكان الحسيمة وعوداً أعرف أنني لن أفي بها” ، وهي عبارة تبدو في ظاهرها اعترافاً بحدود الإمكانات، لكنها تضعه في الوقت نفسه أمام مفارقة أساسية: فإذا كان الرجل يرفض تقديم الوعود، فلماذا تعود الملفات نفسها التي ظلت حاضرة في الخطاب السياسي منذ سنوات، من الاستثمار والتشغيل ومحاربة البطالة إلى الصحة والتنمية؟
هنا يبدأ السؤال الحقيقي حول خطاب العودة: هل يتعلق الأمر بمصارحة سياسية صريحة، أم بإعادة صياغة الخطاب الانتخابي بطريقة تستثمر في مشاعر ساكنة الحسيمة، وفي رغبتها في رؤية شخصية تعرف الإقليم وتفاصيله تعود إلى الواجهة؟
محمد بودرا ليس اسماً جديداً على المشهد. فقد سبق له أن تحمل مسؤوليات سياسية ومؤسساتية وازنة، من رئاسة جماعة الحسيمة إلى رئاسة جهة الحسيمة-تازة-تاونات، فضلاً عن تجربته البرلمانية. ولذلك فإن عودته لا يمكن قراءتها بمعزل عن هذه المسؤوليات السابقة، كما لا يمكن فصلها عن الذاكرة السياسية للمنطقة وما راكمته من انتظارات وملفات لم تجد، في نظر كثير من المتابعين، طريقها الكامل إلى الحل.
ومن هذه الزاوية، فإن استحضار معاناة الساكنة والحديث عن البطالة والاستثمار والصحة لا يكفي وحده لإعادة بناء الثقة. فالناخب الحسيمي بات مطالباً بطرح سؤال أكثر مباشرة: ماذا تحقق عندما كانت هذه النخب في مواقع المسؤولية؟ وماذا يمكن أن يتحقق اليوم بشكل مختلف؟
وتزداد حساسية هذا السؤال عندما يتعلق الأمر بفترة الغياب السياسي التي امتدت، بحسب المعطيات المتداولة، بين 2021 و2026. فبودرا يقدم عودته باعتبارها استجابة لإلحاح المواطنين في مختلف مناطق الإقليم، وهي رواية تمنح العودة بعداً شعبياً وعاطفياً قوياً.
لكن تحويل العودة إلى استجابة لـ”نداء المواطنين” يظل بدوره خطاباً يحتاج إلى أن يختبره الواقع الانتخابي. فالمعيار النهائي ليس عدد من يصفقون للعودة، وإنما حجم الأصوات التي سيحصل عليها المرشح يوم الاقتراع.
وفي السياق ذاته، تبرز مسألة الانتماء الحزبي والاستمرارية السياسية، خصوصاً مع محاولة تقديم العودة إلى حزب التقدم والاشتراكية باعتبارها استمراراً لمسار فكري وسياسي. غير أن الناخب أصبح أكثر حساسية تجاه انتقالات السياسيين بين الأحزاب، وأقل استعداداً لتلقي التبريرات الجاهزة دون مساءلة أصحابها عن المواقف السابقة والحالية.
أما مخاطبة الشباب والتحذير من العزوف الانتخابي، فهي بدورها تحمل بعداً عاطفياً واضحاً. فالقول إن المقاطعة قد تكون ( هدية مجانية ) لمن سبق أن تحملوا المسؤولية يحاول دفع الناخب إلى المشاركة، لكنه لا يجيب بالضرورة عن السؤال الذي يدفع الشباب إلى الابتعاد عن صناديق الاقتراع: ماذا تغير فعلياً في علاقتهم بالأحزاب والنخب السياسية؟
وهنا تكمن إحدى أبرز نقاط ضعف الخطاب الانتخابي التقليدي: مطالبة المواطن بالثقة والمشاركة دون تقديم حصيلة واضحة، ثم تحويل العزوف إلى مشكلة لدى الناخب بدل مساءلة الأسباب السياسية والاجتماعية التي أنتجته.
وبالنسبة إلى محمد بودرا تحديداً، فإن التحدي أكبر، لأن الرجل يعود إلى السباق الانتخابي بتعثرات ومسار سابقين، وليس بصفحة سياسية بيضاء. ولذلك فإن أي خطاب يستند إلى استمالة مشاعر الساكنة أو استحضار الذاكرة الجماعية للحسيمة سيظل بحاجة إلى ما هو أكثر من العبارات المؤثرة.
فالناخب اليوم لا يريد فقط من يحدثه عن معاناة الحسيمة، بل يريد أن يعرف من يتحمل مسؤولية ما تحقق وما لم يتحقق، وما الذي سيُنجز فعلياً إذا عاد أصحاب التجارب السابقة إلى مواقع القرار.
وبين ( المصارحة ) و ( استثمار العاطفة ) ، تبقى عودة محمد بودرا واحدة من أبرز نقاط الترقب في السباق الانتخابي بالحسيمة. وسيكون على الرجل أن يثبت أن عودته ليست مجرد محاولة لإعادة إنتاج حضور سياسي سابق، وأن خطابه لا يقوم فقط على استمالة مشاعر الساكنة، وإنما يحمل تصوراً قابلاً للقياس والتنفيذ.
لن يكون الناخب الحسيمي أمام اختبار خطاب بودرا فقط، بل أمام اختبار ذاكرته السياسية أيضاً: هل تكفي العاطفة والحنين إلى أسماء وتجارب سابقة ميزها الفشل لإعادة منح الثقة، أم أن زمن الوعود المؤجلة انتهى، وأصبح المطلوب هو الحصيلة والنتائج؟
15/09/2026