لم يكن اللافت فقط أن مركز الأبحاث الاجتماعية الإسباني اختار، لأول مرة، أن يسأل الإسبان عن وضعية سبتة ومليلية المحتلتين، بل إن اللافت أكثر هو أن السؤال نفسه يكشف مفارقة سياسية تكاد تكون جاهزة للسخرية. فقد طلبت المؤسسة الرسمية من المستجوبين الاختيار بين اعتبار المدينتين أراضي إسبانية مثل أي جزء آخر من شبه الجزيرة، أو اعتبار وضعيتهما غامضة وخاصة وتحتاج إلى تفاهم واتفاق مع المغرب. وهنا تبدأ الحكاية التي تبدو بسيطة في صياغتها، لكنها تصبح أكثر إثارة عندما نضعها أمام واقع إسبانيا نفسها.
فنتائج الاستطلاع، الذي شمل 4042 شخصا بين الأول والرابع من شتنبر، أظهرت أن 77,1 في المائة يعتبرون سبتة ومليلية أراضي إسبانية مثل باقي الأراضي الإسبانية، مقابل 14,3 في المائة يرون أن وضعهما خاص وملتبس ويحتاج إلى تفاهم مع المغرب. لكن السؤال الذي يفرض نفسه، وبشيء من الابتسامة السياسية، هو: ماذا كانت ستكون النتيجة لو لم يكتف مركز الأبحاث بجزء من إسبانيا، وقرر أن يطرق أبواب كتالونيا وإقليم الباسك بالطريقة نفسها؟
هنا قد تصبح الآلة الحاسبة أقل راحة، لأن المنطقتين تعرفان منذ عقود نزعات استقلالية قوية، وحركات سياسية واسعة طالبت بدرجات مختلفة بالانفصال أو تقرير المصير. وبالتالي، فإن إخضاع مفهوم إسبانية سبتة ومليلية للاستطلاع داخل منطقتين تعرفان أصلا جدلا عميقا حول معنى الانتماء إلى الدولة الإسبانية، كان سيجعل المشهد أكثر تعقيدا بكثير من النتيجة المسجلة على المستوى شبه الوطني.
وهنا تحديدا تظهر المفارقة التي تستحق التوقف عندها: مركز الدراسات الاجتماعية الإسباني يستطيع أن يسأل الإسبان عن مدى إسبانية سبتة ومليلية، لكنه لا يبدو متحمسا بالقدر نفسه لاختبار مفهوم إسبانية الدولة داخل مناطق شهدت مطالب استقلالية قوية. وكأن ميزان الاستطلاع يعمل بكامل دقته عندما تكون البوصلة موجهة نحو الجنوب، ثم يصاب بشيء من الحساسية المفرطة عندما تقترب الأسئلة من كتالونيا والباسك.
والأكثر طرافة أن السؤال نفسه يمنح المستجوب خيارا يقول إن وضعية سبتة ومليلية غامضة وخاصة وتحتاج إلى تفاهم مع المغرب. أي أن ما تقدمه مدريد عادة باعتباره أمرا محسوما ونهائيا وغير قابل للنقاش، أصبح فجأة مادة صالحة للاستبيان والقياس والنسب المئوية. يبدو أن السيادة، في هذه الحالة، انتقلت من خانة المسلمات إلى خانة الاختيارات المتعددة.
فإذا كان من المشروع أن يسأل مركز رسمي الإسبان عن وضعية المدينتين، فلماذا لا يختبر المنطق نفسه في المناطق التي شهدت صراعات سياسية وهوياتية حول علاقتها بالدولة الإسبانية؟ ولماذا لا نرى السؤال ذاته مطروحا، بالصياغة نفسها، أمام سكان كتالونيا والباسك؟ أم أن هناك أسئلة تصلح للضفة الجنوبية فقط، بينما يفضل إبقاء بعضها داخل الخزانة السياسية في مدريد؟
وبطبيعة الحال، لا يمكن الجزم مسبقا بنسبة معينة كان سيحصل عليها خيار الوضعية الخاصة لو جرى الاستطلاع داخل كتالونيا أو الباسك، لأن ذلك يحتاج إلى استطلاع فعلي. لكن من المشروع سياسيا وإعلاميا التساؤل عن النتائج المحتملة في منطقتين عرفتا مطالب استقلالية قوية، خصوصا أن قطاعات سياسية واجتماعية واسعة فيهما ظلت مرتبطة بمطالب تقرير المصير أو الاستقلال أو توسيع نطاق الحكم الذاتي.
والغريب أن مدريد تحاول في الوقت نفسه تقديم سبتة ومليلية باعتبارهما جزءا لا يتجزأ من إسبانيا، بينما يكشف الاستطلاع نفسه أن هناك حاجة إلى قياس الرأي العام حول هذه المسألة، بل وطرح احتمال وصف الوضعية بأنها خاصة وتحتاج إلى اتفاق مع المغرب. أي أن الملف الذي يفترض أنه محسوم تماما وجد نفسه فجأة جالسا على كرسي الاستطلاع ينتظر رأي الناخبين.
ثم إن الأرقام الأخرى تزيد المفارقة وضوحا. فقد اعتبر 82,2 في المائة أن تعزيز الحدود في سبتة ومليلية ضروري لمنع الدخول الجماعي، بينما رأى 86,3 في المائة أن التفاهم بين إسبانيا والمغرب مهم أو مهم جدا لضمان أمن الحدود، واعتبر 89,4 في المائة أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يتعاون أكثر مع إسبانيا في معالجة وضعية المدينتين.
وهكذا، حتى عندما تحاول مدريد تثبيت رواية السيادة عبر الأرقام، تعود الأرقام نفسها لتضع المغرب في قلب المعادلة. فالحدود مرتبطة بالمغرب، والأمن مرتبط بالتفاهم مع المغرب، والهجرة مرتبطة بالمغرب، واستقرار المدينتين لا يمكن فصله عن الجغرافيا المغربية المحيطة بهما. باختصار، يمكن تغيير صياغة السؤال، لكن من الصعب تغيير الخريطة.
أما بالنسبة إلى المغرب، فالمسألة لا تحتاج إلى بارومتر ولا إلى مركز دراسات ولا إلى نسبة 77,1 في المائة. سبتة ومليلية مدينتان مغربيتان تحت الاحتلال، وموقف الرباط من مغربيتهما لا تحدده استطلاعات الرأي الإسبانية ولا يتغير بتغير نسب المؤيدين والمعارضين.
ويبقى السؤال الأكثر إحراجا لمدريد: إذا كانت إسبانية سبتة ومليلية محسومة إلى هذا الحد، فلماذا احتاج الأمر إلى استطلاع رسمي أصلا؟ وإذا كان من المشروع قياس موقف الإسبان من وضعية المدينتين، فلماذا لا يتم اختبار المنطق نفسه داخل كتالونيا والباسك، حيث ظلت مسألة العلاقة مع الدولة الإسبانية موضع نقاش سياسي وهوياتي عميق؟
وفي النهاية، يبدو أن مركز الدراسات الاجتماعية الإسباني اكتشف طريقة عبقرية جديدة لقياس السيادة: اسأل الإسبان عن سبتة ومليلية، ضع الخيارات أمامهم، احسب النسب، ثم اعتبر الأمر محسوبا. أما كتالونيا والباسك، فربما يحتاجان إلى سؤال آخر… أو إلى جرعة أكبر من الشجاعة الإحصائية. وهكذا تصبح السيادة في مدريد محسومة جدا، شرط أن يكون السؤال متجها جنوبا؛ أما عندما يدور الاستبيان نحو الداخل، فالأفضل على ما يبدو أن يتقاعد قلم الإحصاء قليلا… حفاظا على وحدة إسبانيا!
15/09/2026