في خطوة تكشف إلى أي مدى تتجه الصين نحو تحويل أعماق البحار إلى ساحة جديدة للحرب الحديثة، ظهرت في أحد أحواض بناء السفن بمدينة شنغهاي سفينة غامضة أثارت اهتمام خبراء الدفاع، وسط ترجيحات بأنها أول سفينة أم في العالم مصممة خصيصاً لإطلاق واستعادة غواصات مسيّرة عملاقة يصل طولها إلى 45 متراً.
وبحسب تقرير نشره موقع “أوكي دياريو”، واستناداً إلى تحليل صور التقطتها الأقمار الصناعية، ظهرت السفينة في حوض “هودونغ-تشونغوا” بشنغهاي، فيما خلص موقع “نافال نيوز” إلى أن تصميمها يرجّح ارتباطه ببرنامج صيني لتطوير مركبات غواصة غير مأهولة ضخمة، في مشروع قد يفتح فصلاً جديداً في سباق التسلح البحري.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تحولت فيه الصين خلال العقود الأخيرة من قوة بحرية تركز أساساً على حماية سواحلها إلى واحدة من أكبر القوى العالمية في مجال بناء السفن الحربية. واليوم، لا تكتفي بكين بتطوير القطع البحرية التقليدية، بل تدفع بقوة نحو توظيف الأنظمة غير المأهولة في البحر وتحت سطحه.
واللافت في المشروع هو ما يعرف باسم “إكس إكس إل يو يو في”، أي المركبات البحرية غير المأهولة فائقة الضخامة، وهي غواصات آلية بالحجم الكامل يمكن أن يتراوح طولها بين 35 و45 متراً.
وتشير المعطيات التي أوردها المصدر إلى أن هذه الغواصات الصينية العملاقة أكبر بنحو 6 إلى 8 مرات من غواصة “بوينغ أوركا” غير المأهولة التي تطورها البحرية الأمريكية ضمن فئة المركبات الغواصة كبيرة الحجم.
وقد ظهرت حتى الآن نماذج صينية مختلفة من هذه الغواصات في مرحلة الاختبارات بجزيرة هاينان، حيث جرى التعامل معها بواسطة أحواض عائمة مخصصة للإطلاق والاستعادة. غير أن ظهور السفينة الجديدة يوحي بأن بكين تبحث عن وسيلة أكثر مرونة وقدرة على تشغيل هذه المنصات بعيداً عن الموانئ.
وتكشف تفاصيل تصميم السفينة عن مفاجأة إضافية؛ فهي تبدو من الخارج شبيهة بسفينة إنزال برمائية، مع مساحة شحن واسعة في المؤخرة، لكن أسفل هذه المنطقة توجد منصة كبيرة يمكن إنزالها تحت بدن السفينة بواسطة 12 ذراعاً رافعاً عمودياً.
وفوق هذه المنصة يوجد ما يبدو أنه حظيرة ضخمة مغلقة، يُعتقد أنها مخصصة لإيواء الغواصات غير المأهولة. وبالنظر إلى حجم السفينة والغواصات التي ظهرت في الاختبارات، تشير التقديرات إلى إمكانية حملها لما يصل إلى أربع غواصات مسيّرة عملاقة، أو عدداً أكبر من المركبات الأصغر حجماً.
وهنا تكمن أهمية المشروع.. فالسفينة، إذا تأكدت وظيفتها العسكرية، لن تكون مجرد وسيلة لنقل الغواصات، بل يمكن أن تتحول إلى قاعدة بحرية متحركة تسمح بإطلاق هذه المنصات واستعادتها وإجراء عمليات الصيانة عليها في عرض البحر.
كما أن تشغيل الغواصات العملاقة من سفينة أم قد يمنحها قدرة أكبر على تنفيذ مهام بعيدة المدى، دون الحاجة إلى العودة المستمرة إلى القواعد الساحلية، وهو ما يفتح أمام البحرية الصينية خيارات عملياتية جديدة.
ولا تزال طبيعة المهام التي ستُسند إلى هذه الغواصات غير واضحة بشكل كامل، لكن حجمها الكبير يتيح نظرياً استخدامها في مهام طويلة المدى، في وقت تواصل فيه الصين اختبار إمكانات الأنظمة البحرية غير المأهولة.
والأكثر إثارة أن هذه التطورات تأتي بالتزامن مع توسع عالمي متسارع في استخدام الطائرات والسفن والغواصات المسيّرة، حيث باتت الجيوش تبحث عن وسائل قادرة على تنفيذ مهام خطرة أو بعيدة المدى دون تعريض الأطقم البشرية للخطر.
وبينما تتجه بعض الدول إلى تطوير السفن المسيّرة والطائرات غير المأهولة، تبدو الصين منشغلة بدفع التكنولوجيا خطوة أبعد، نحو غواصات عملاقة بلا طاقم بشري قادرة على العمل تحت سطح البحر لفترات طويلة.
وإذا تأكدت بشكل نهائي الوظيفة العسكرية للسفينة التي ظهرت في شنغهاي، فإن الصين تكون قد أضافت قطعة جديدة إلى ترسانة الأنظمة غير المأهولة، لكن هذه المرة ليس في السماء أو فوق سطح البحر.. بل في أعماق المحيط، حيث يصعب اكتشاف الخصم وتعقبه.
وبذلك، لا يتعلق الأمر بمجرد سفينة جديدة ظهرت في حوض بناء صيني، بل بمؤشر على تحول أوسع في مفهوم الحرب البحرية، حيث يمكن أن تصبح الغواصات المسيّرة العملاقة والسفن الأم المتخصصة في تشغيلها جزءاً من معادلة عسكرية جديدة خلال السنوات المقبلة.
16/09/2026