في الوقت الذي تستعد فيه بريطانيا لاختبار قدرتها على استدعاء 95 ألف عسكري سابق وإعادتهم إلى الخدمة خلال أسابيع، تجد إسبانيا نفسها أمام سؤال أكثر إحراجا: ماذا ستفعل بـ10 آلاف عسكري سابق يفترض أنهم يشكلون جزءا من احتياطها العسكري، بينما لم تختبر مدريد فعليا قدرتهم على الاستجابة منذ سنوات؟ السؤال لم يأت هذه المرة من الرباط، بل من إعلام إسباني متخصص في الدفاع والأمن، في وقت يحاول فيه جزء من الخطاب الإسباني تحويل كل أزمة مرتبطة بسبتة المحتلة إلى شماعة جاهزة اسمها المغرب.
وكشفت معطيات أن بريطانيا ستجري في 2027 اختبارا فعليا لمعرفة ما إذا كان بإمكانها إخراج 95 ألف عسكري سابق من حياتهم المدنية وتحويلهم إلى قوة عملياتية خلال فترة قصيرة. والمفارقة أن لندن، رغم امتلاكها احتياطا بهذا الحجم، أقرت بأن وزارة الدفاع لا تعرف حاليا أين يوجد معظم هؤلاء، ولذلك قررت اختبار المنظومة وإعادة بنائها إذا كشفت التجربة عن ثغرات. بريطانيا، على الأقل، اختارت أن تطرح السؤال قبل أن تقع في مأزق حقيقي.
أما في إسبانيا، فالصورة تبدو أكثر غرابة. هناك أكثر من 10 آلاف من أفراد احتياط التوفر الخاص RED، وهم عسكريون سابقون قضوا 18 عاما في الخدمة، وينتقلون إلى هذه الوضعية عند بلوغ 45 عاما إذا لم يلجوا المسار العسكري الدائم. ويتحمل هؤلاء التزاما قانونيا بالاستجابة في حال استدعائهم، لكن المشكلة التي يطرحها التقرير الإسباني هي أن مدريد لم تختبر عمليا ما إذا كانت هذه القوة ستتحول فعلا إلى قوة جاهزة عندما تدق ساعة الحقيقة.
وهنا تظهر المفارقة التي تستحق التوقف عندها: إسبانيا تتحدث كثيرا عن الأمن والتهديدات والحرب الهجينة، لكنها تواجه في الوقت نفسه مشكلة داخلية تتعلق بجاهزية جزء من احتياطها العسكري. أي أن المشكلة ليست دائما فيمن يقف خلف الحدود، بل أحيانا في قدرة الدولة نفسها على معرفة ما تملكه، وأين يوجد، ومدى جاهزيته، وكيف يمكن تعبئته عند الضرورة.
والأكثر إثارة أن التقرير الإسباني ربط هذه المعضلة مباشرة بسبتة المحتلة، في محاولة لقراءة أحداث 30 و31 يوليوز من زاوية أمنية وعسكرية. فقد أشار، حسب رواية المصدر، إلى تحقيق قضائي مفتوح في إسبانيا يبحث في فرضية وجود تنسيق مع هياكل تابعة للدولة المغربية فيما يتعلق بالتدفقات البشرية التي شهدتها المدينة. لكن هذه الفرضية، مهما حاول البعض تقديمها في الإعلام الإسباني كحقيقة مكتملة، تظل موضوع تحقيق، ولم يصدر بشأنها حكم قضائي نهائي.
وهنا تصبح الصورة أكثر وضوحا: مدريد تريد أن تنظر إلى سبتة المحتلة بعين الحرب الهجينة، بينما تكشف الصحافة الإسبانية نفسها أن لديها أكثر من 10 آلاف عسكري احتياط لا تعرف حتى مدى جاهزيتهم الفعلية. فقبل البحث عن عدو خارجي، ربما كان الأجدى اختبار قدرة المنظومة الداخلية على الاستجابة، لأن الجيوش لا تقاس بعدد الأسماء المسجلة في الملفات، وإنما بقدرتها على التحرك عندما يصبح الوقت أثمن من الخطابات.
واللافت أيضا أن بريطانيا لم تكتف بتسجيل أسماء العسكريين السابقين، بل قررت اختبار المنظومة على أرض الواقع. أما إسبانيا، فبحسب التقرير، فما زالت أمام فجوة بين النص القانوني والجاهزية الميدانية. فالقول إن 10 آلاف شخص ملزمون قانونا بالاستجابة شيء، ومعرفة أين يوجدون، وما هي مهاراتهم الحالية، وهل يحتاجون إلى إعادة تدريب، وكيف سيتم توزيعهم، شيء آخر تماما.
وهنا يمكن فهم سبب القلق الإسباني المتزايد من سبتة المحتلة دون الحاجة إلى تحويل المغرب إلى متهم دائم. فالمدينة الصغيرة الواقعة في التراب المغربي وعلى الضفة الجنوبية للمتوسط تحولت في الخطاب الإسباني إلى عقدة أمنية وسياسية متداخلة، بينما تكشف أزمة الاحتياط العسكري أن جزءا من الأسئلة التي تطرحها مدريد على جيرانها يجب أن تطرحها أولا على مؤسساتها.
فإذا كانت إسبانيا تتحدث عن سيناريوهات الحرب الهجينة، فإن أول اختبار حقيقي لها ليس في الرباط ولا في بني أنصار والفنيدق، بل في مدريد نفسها: هل تعرف الدولة الإسبانية حجم مواردها البشرية، ومدى جاهزيتها، وقدرتها على تعبئتها؟ وهل يمكن لعشرة آلاف عسكري سابق أن يتحولوا فعلا إلى قوة قابلة للاستخدام، أم أنهم مجرد أرقام محفوظة في ملفات إدارية؟
والمفارقة أن المغرب، الذي تحاول بعض المنابر الإسبانية تقديمه باستمرار باعتباره مصدر كل المخاوف الأمنية في سبتة ومليلية المحتلتين، لم يحتج إلى أي حملة إعلامية للفت الأنظار إلى هذا التناقض؛ الصحافة الإسبانية نفسها فعلت ذلك. فبينما تنشغل بعض الأصوات بإنتاج سيناريوهات عن المغرب، يكشف تقرير دفاعي إسباني أن لندن تستعد لاختبار احتياطها، وأن مدريد لم تختبر احتياطها بالمستوى نفسه.
وهكذا ينقلب السؤال من: هل يستطيع المغرب تهديد سبتة ومليلية؟ إلى سؤال أكثر إزعاجا لمدريد: هل تعرف إسبانيا أصلا مدى جاهزية منظومتها عندما تواجه أزمة حقيقية؟
وربما لهذا السبب تبدو عبارة الحرب الهجينة في بعض الخطابات الإسبانية أسهل بكثير من اختبار الجاهزية على الأرض. فالحرب في العناوين لا تحتاج إلى تدريبات ولا إلى تعبئة ولا إلى معرفة مكان الجنود، أما الواقع العسكري فله قواعد أخرى: الجاهزية، والسرعة، والتنظيم، والمعلومة الدقيقة.
وفي النهاية، ستنتظر بريطانيا إلى عام 2027 لتعرف إن كان احتياطها قوة حقيقية أم مجرد رقم إداري. أما إسبانيا، فلا تحتاج إلى الانتظار كثيرا، لأن سؤالها قائم الآن: لديها 10 آلاف من العسكريين السابقين الملزمين قانونيا بالاستجابة، لكنها، بحسب التقرير الإسباني، لم تختبر بما يكفي ما إذا كانوا سيشكلون فعلا قوة جاهزة عندما تحين لحظة الاختبار.
وبينما تواصل بعض الأصوات الإسبانية رسم سيناريوهات عن المغرب، يبقى الاختبار الأكثر واقعية أمام مدريد داخليا: أن تعرف أولا حجم قوتها، وأن تختبر جاهزيتها، ثم تتحدث بعد ذلك عن الحرب الهجينة.
وقد تكون المفارقة الأكثر قسوة في هذه القصة أن إسبانيا تبحث عن “حرب هجينة” خلف حدودها، بينما يكشف تقرير دفاعي إسباني أن جزءا من احتياطها العسكري نفسه لم يخضع لاختبار حقيقي يثبت جاهزيته. وبينما ترتفع في مدريد نبرة التحذير من المغرب، يبقى سؤال أكثر إزعاجا معلقا في الهواء: ماذا سيحدث إذا دقت ساعة الاختبار، واكتشفت إسبانيا أن الأرقام الموجودة في الملفات لا تساوي بالضرورة قوة جاهزة على الأرض؟
ربما تكون سبتة المحتلة قد كشفت أكثر مما أرادت مدريد أن تكشفه؛ فالأزمة لا تقاس فقط بمن يوجد خلف الحدود الوهمية، وإنما أيضا بمن يستطيع التحرك عندما تضيق الخيارات وتبدأ عقارب الساعة في الدوران. وعندما يتعلق الأمر بالحدود التي تعتبرها مدريد حدودا مع المغرب، بينما ينظر إليها المغرب باعتبارها حدودا وهمية مع البر المغربي، فإن سؤال الجاهزية يصبح أكثر حساسية. عندها لن تنفع البيانات، ولا العناوين النارية، ولا نظريات الحرب الهجينة… لأن الواقع لا يعترف بالأرقام المحفوظة في الملفات، بل يطرح سؤالا واحدا عندما تحين لحظة الحقيقة: من كان مستعدا عندما جاءت اللحظة؟
17/09/2026