بينما تستعد مدريد لتدبير ملفاتها الثقيلة في سبتة المحتلة، وبينما لا تكف بعض الأصوات الإسبانية عن تقديم المدينة وكأنها تقف على حافة الأزمات، يبدو أن حكومة بيدرو سانشيز منشغلة أيضا بملف أكثر “إلحاحا”: كيف تجعل رحلة كبار المسؤولين أكثر راحة وفخامة؟
الجواب جاء في شكل صفقة رسمية بقيمة تقارب 25 ألف يورو لتجديد المقصورة الداخلية لمروحية عسكرية من طراز “Super Puma”، مخصصة لنقل الشخصيات الرسمية، ومن بين مستخدميها الملك فيليبي السادس ورئيس الحكومة بيدرو سانشيز خلال الرحلات القصيرة، أساسا داخل إسبانيا.
وبحسب المعطيات، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد إصلاح تقني بسيط، بل بإعادة ترتيب فضاء كبار الشخصيات “VIP” بكل ما تحمله الكلمة من معنى: عشرة مقاعد ستُكسى بالجلد الطبيعي، وموكيت جديدة تتكون من 90 في المائة من الصوف و10 في المائة من مادة البولياميد، إلى جانب تجديد الأسقف والكسوات الجانبية ومناطق الإضاءة والتهوية.
وتزداد دلالة هذه المروحية عندما يتعلق الأمر بسبتة المحتلة، التي لا تتوفر على مطار مخصص للطائرات، وإنما تعتمد جويا على مهبط للمروحيات. وهنا تتحول المروحية إلى وسيلة جوية أساسية للوصول إلى المدينة في بعض الرحلات الرسمية، ما يمنح كل زيارة جوية لكبار المسؤولين بعدا رمزيا إضافيا، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالملك فيليبي السادس أو رئيس الحكومة بيدرو سانشيز.
ويبدو أن مقصورة المسؤولين الكبار في مدريد تستحق، وفق منطق الصفقة، معاملة خاصة؛ فوثائق الطلب العمومي تبرر الأشغال بكون المواد الحالية قديمة ومتدهورة وفقدت جزءا كبيرا من خصائصها، خصوصا بالنظر إلى استعمال المروحية في نقل كبار الشخصيات.
المفارقة أن هذه “المعركة” ضد اهتراء المقاعد والموكيت تخوضها حكومة بلد يواجه في الوقت نفسه ملفات أمنية وعسكرية وسياسية متشابكة، فيما يخصص قرابة 25 ألف يورو لتجديد المقصورة الداخلية لمروحية ستواصل أداء مهامها إلى حين تعويضها بطائرات أحدث.
والأكثر إثارة أن الصفقة لم تكن مفتوحة على منافسة واسعة؛ فقد أُطلقت في مسطرة سريعة لم تتجاوز شهرا، ولم تتقدم سوى شركة واحدة بعرضها، هي “Integración Tecnológica Empresarial”، التي رست عليها الصفقة بقيمة 24,950 يورو شاملة للضريبة.
ولا يتوقف الأمر عند الجلد والصوف. فالشركة مطالبة أيضا بإزالة المواد القديمة وإعادة تدويرها، وتركيب التجهيزات الجديدة، وتقديم الوثائق التقنية اللازمة، فضلا عن ضمان المساعدة التقنية لمدة سنة، مع الالتزام بالتدخل في منشآت الجناح 48 خلال 72 ساعة عند ظهور أي مشكل مرتبط بالأشغال.
أما المروحية المعنية فهي “HT.21″، وهي التسمية العسكرية لطائرة “AS332 Super Puma” المسجلة تحت الرقم 402-20، وتعمل ضمن السرب 402 التابع للجناح 48 للقوات الجوية والفضائية الإسبانية، وهو السرب الذي بدأ عمله سنة 1975 وراكم، بحسب المعطيات الرسمية الإسبانية، أكثر من 43 ألف ساعة طيران.
لكن هنا تظهر المفارقة الأكبر: مدريد تعرف أن هذه المروحيات أصبحت جزءا من الماضي، ولذلك وضعت برنامجا لاستبدالها بطائرات جديدة من طراز “Airbus H175”. ويشمل البرنامج اقتناء ست مروحيات مزودة بأنظمة اتصالات وملاحة آمنة، وقدرات جديدة للطيران بالأجهزة والتوجيه عبر الأقمار الصناعية ونظام قيادة آلي من الجيل الجديد.
أي أن إسبانيا تستعد لإنهاء عهد “Super Puma”، لكنها قبل ذلك قررت أن تمنح إحدى هذه المروحيات القديمة “تجديدا VIP” يجعلها أكثر راحة وأناقة في انتظار تقاعدها.
واللافت أن هذا الإنفاق يأتي في وقت تحاول فيه بعض الخطابات السياسية والإعلامية الإسبانية تصوير سبتة المحتلة ومليلية المحتلة باعتبارهما نقطتين متقدمتين في مواجهة أخطار متصاعدة، مع التركيز المتكرر على الأمن والحدود والهجرة والعلاقة مع المغرب.
لكن صورة أخرى تظهر من داخل المؤسسات الإسبانية نفسها: مروحية قديمة تحتاج إلى مقاعد من الجلد الطبيعي وموكيت من الصوف، ومسؤولو الدولة يحتاجون إلى مقصورة أكثر راحة، بينما تُرصد ملايين اليوروهات لتحديث الأسطول العسكري والأمني.
المسألة هنا ليست في قيمة الصفقة وحدها، فـ25 ألف يورو لا تصنع أزمة مالية في ميزانية دولة، وإنما في الدلالة الرمزية التي تكشفها التفاصيل الصغيرة. ففي الوقت الذي تُقدَّم فيه سبتة المحتلة في الخطاب الإسباني باعتبارها “خطا متقدما” يستوجب الاستنفار الدائم، تبدو المروحية التي قد تقل كبار المسؤولين إليها مطالبة بدورها بأن تدخل الخدمة في أبهى حلة، حتى لو كانت هي نفسها تقترب من نهاية مسارها التشغيلي.
وفي انتظار وصول المروحيات الجديدة، ستواصل “Super Puma” الطيران، بعد أن تحصل على كسوة جديدة ومقاعد جلدية ومقصورة مجددة. وربما تكون المفارقة الأبرز أن المدينة التي لا تملك مطارا للطائرات ستظل مرتبطة في الرحلات الرسمية بالمروحيات، بينما المروحية نفسها تحصل على “تجديد VIP” قبل أن تفسح المجال لجيل جديد من الطائرات.
وفي النهاية، قد لا تكون قصة الـ25 ألف يورو سوى تفصيل صغير في ميزانية دولة، لكنها تكشف مفارقة أكبر من قيمة الصفقة نفسها: مروحية قديمة تستعد للتقاعد، ومع ذلك يجري تجميل مقصورتها بالجلد والصوف، في وقت تستمر فيه مدريد في تقديم سبتة المحتلة ومليلية المحتلة باعتبارهما عنوانا للأمن والاستنفار والقلق.
وهكذا، قبل أن تحط مروحيات كبار المسؤولين في سماء سبتة المحتلة، حاملة معها لغة السيادة والحدود والمخاطر، تكون إحدى طائراتهم قد حظيت أولا بعناية خاصة لمقاعدها وأسقفها وموكيتها. مدينة بلا مطار للطائرات، ومروحية تقترب من نهاية عمرها، لكن المقصورة يجب أن تكون جاهزة لاستقبال كبار الشخصيات في أبهى صورة.
مروحية تشارف على نهاية عمرها، تُمنح كسوة جديدة قبل الرحيل… وكأن مدريد تريد أن تقول إن بعض الأشياء، حتى وهي في طريقها إلى التقاعد، يجب أن تغادر العالم في كامل أناقتها. أما سبتة المحتلة، فتظل في انتظار المروحية القادمة، بعدما اختارت مدريد أن تجعل الطريق إلى “الثغر” أكثر راحة، ولو على متن طائرة تقترب هي الأخرى من نهاية الرحلة.
17/09/2026