kawalisrif@hotmail.com

الاتحاد الإسلامي الوجدي “اليزمو” ينتفض: عقود من التهميش تنفجر في وجه المسؤولين

الاتحاد الإسلامي الوجدي “اليزمو” ينتفض: عقود من التهميش تنفجر في وجه المسؤولين

في انتفاضة جماهيرية تتجاوز مجرد غضب عابر، خرجت جماهير الاتحاد الرياضي الإسلامي الوجدي عن صمت طال لعقود، لتضع عددا من المسؤولين عن الشأن الرياضي بمدينة وجدة أمام أسئلة محرجة بشأن ما تعتبره “تهميشا ممنهجا” لناد عريق، ساهم تاريخيا في تكوين أجيال من اللاعبين، وضخ أسماء في صفوف المنتخب الوطني ومختلف الأندية المغربية.

الجماهير الوجدية لم تخف غضبها من طريقة التعامل مع الاتحاد الرياضي الإسلامي الوجدي، معتبرة أن النادي لا يحظى بالمكانة التي يستحقها داخل المشهد الرياضي المحلي، سواء من حيث التمثيلية أو ترتيب الأولويات أو الدعم المادي، رغم تاريخه وحضوره التكويني والاجتماعي، وما يمثله من مكون أساسي في الذاكرة الرياضية لمدينة وجدة.

والسؤال الذي تطرحه الجماهير اليوم يبدو بسيطا، لكنه يحمل علامات استفهام كبيرة: كيف يمكن تفسير استفادة المولودية الوجدية، خلال الموسم الماضي، من منحة تفوق تلك المخصصة للاتحاد الرياضي الإسلامي الوجدي، رغم أن الاتحاد أنهى الموسم في مركز متقدم على المولودية؟ سؤال تضعه الجماهير أمام المسؤولين، مطالبة بإجابة واضحة بعيدا عن الحسابات والاعتبارات غير الرياضية.

وتزداد المفارقة وضوحا، بحسب الجماهير، منذ نزول المولودية الوجدية إلى القسم الثاني، حيث ظل الاتحاد متفوقا على مستوى النتائج الرياضية، كما أظهر، وفق طرح أنصاره، قدرة على التسيير والتدبير رغم محدودية موارده. والأكثر إثارة، وفق الجماهير، أن النادي تمكن من إنهاء موسمه دون ديون أو أزمات مالية خانقة، في صورة تعتبرها نموذجا للانضباط المالي وحسن تدبير الإمكانيات المتاحة.

لكن الغضب لا يتعلق بالمال وحده، بل يمتد إلى مسألة التمثيلية والاعتراف. فجماهير الاتحاد ترى أن تغييب اسم ناديها عن عدد من المؤتمرات والندوات واللقاءات الرياضية التي تنظم بمدينة وجدة يتجاوز مسألة البروتوكول، ليتحول إلى قضية احترام لتاريخ مؤسسة رياضية ارتبط اسمها بالمدينة وأجيال من عائلاتها، وظلت حاضرة في مجال التكوين والممارسة الرياضية رغم محدودية الإمكانيات.

فكيف يعقل، تتساءل الجماهير، أن يتم الحديث عن الرياضة الوجدية وتكوين الأجيال ومستقبل كرة القدم بالمدينة، بينما يتم تغييب أحد أكبر الأندية المحلية من حيث عدد الممارسين والمنخرطين؟ ويؤكد أنصار الاتحاد أن النادي يستقبل كل موسم نحو 700 لاعب ولاعبة بمختلف الفئات العمرية، وهو ما يجعله رقما وازنا في مجال التكوين الرياضي بجهة الشرق، وحاضرا بقوة في صناعة أجيال جديدة من اللاعبين.

وهنا تحديدا تظهر المفارقة التي تثير غضب الجماهير: ناد يفتح أبوابه لمئات الأطفال والشباب كل موسم، ويتحمل أعباء التكوين والتأطير، ويواصل نشاطه بإمكانيات محدودة، يجد نفسه، بحسب أنصاره، خارج دائرة الاهتمام عندما يتعلق الأمر باللقاءات والقرارات التي ترسم ملامح المشهد الرياضي المحلي. وكأن العمل الميداني وحده لا يكفي للحصول على الاعتراف، وكأن التكوين لا يساوي شيئا أمام بريق الأسماء الكبيرة.

والقصة، بالنسبة إلى جماهير الاتحاد، لا تبدأ اليوم، بل تعود إلى عقود مضت. فالنادي يحمل إرثا تاريخيا يعود إلى بدايات خمسينيات القرن الماضي، وترتبط ذاكرته، بحسب الرواية التي يستحضرها أنصاره، بمرحلة الحماية الفرنسية، حين رفض مؤسسوه الانخراط في بطولة كانت تقام تحت مظلة الاستعمار، وهو موقف تعتبره الأجيال المتعاقبة جزءا من هوية النادي وذاكرته الوطنية.

ومن هنا، فإن جماهير الاتحاد لا تنظر إلى ناديها باعتباره مجرد فريق لكرة القدم، بل باعتباره مؤسسة رياضية لها تاريخ وذاكرة وامتداد اجتماعي داخل مدينة وجدة. ولهذا فإن تغييب اسمه، بالنسبة إلى أنصاره، ليس مجرد نسيان عابر، وإنما مساس بمكانة ناد ظل حاضرا في المشهد الرياضي، وواصل تكوين الأجيال رغم الظروف الصعبة، وراكم عبر السنين رصيدا من الحضور داخل المدينة وخارجها.

ولهذا جاء الغضب هذه المرة مختلفا، فالجماهير التي تقول إنها تحملت التهميش لسنوات طويلة لم تعد مستعدة لمواصلة لعب دور المتفرج على مشهد رياضي ترى أنه لا يوزع الاهتمام والدعم بعدالة بين مكوناته. والرسالة واضحة: لا أحد يطالب بإقصاء ناد آخر، وإنما المطلوب وضع قواعد عادلة يستفيد منها الجميع، وفق النتائج والتكوين والحكامة والمردودية الرياضية.

والرسالة الموجهة إلى والي جهة الشرق واضحة بدورها: المطلوب، وفق الجماهير، ليس تدخلا ظرفيا ولا دعما موسميا، وإنما قرار تاريخي يعيد الاعتبار إلى الاتحاد الرياضي الإسلامي الوجدي، ويضع أسس مقاربة أكثر عدلا وتوازنا في تدبير الشأن الرياضي بالمدينة. فالإنصاف، في نظر المحتجين، لا يكون بالشعارات، وإنما بقرارات ملموسة تعيد لكل ناد مكانته وفق ما يقدمه فعليا.

فالرياضة الوجدية لا يمكن أن تختزل في اسم واحد، ولا يمكن بناء مستقبلها بمنطق الإقصاء أو تفضيل ناد على حساب آخر، بينما توجد أندية تتحمل يوميا أعباء التكوين والتأطير والتدبير بإمكانيات محدودة. وإذا كانت وجدة تريد فعلا صناعة مستقبل رياضي يليق بتاريخها، فإن البداية تقتضي الاعتراف بكل مكوناتها، والاستماع إلى أصوات أنديتها وجماهيرها، واعتماد معايير واضحة وشفافة في توزيع الدعم والاهتمام.

لقد صبرت جماهير الاتحاد طويلا، لكن يبدو أن زمن الصمت انتهى. واليوم، تضع هذه الجماهير ملف ناديها فوق الطاولة، وتطالب بإنصافه ورد الاعتبار إلى تاريخه وإعادة الاعتراف بدوره في صناعة الرياضة الوجدية والوطنية. إنها، بحسب خطاب أنصار النادي، ليست مجرد صرخة جمهور غاضب من منحة أو ترتيب في نهاية موسم، بل انتفاضة ضد ما تعتبره اختلالا متراكما في ميزان العدالة الرياضية.

والكرة الآن في ملعب المسؤولين: إما أن تتحول هذه الصرخة إلى فرصة لإعادة ترتيب البيت الرياضي الوجدي على أساس الإنصاف وتكافؤ الفرص، أو يستمر تجاهل صوت ناد وجمهور يحملان ذاكرة تمتد لعقود. وفي وجدة، تبدو الرسالة أكثر وضوحا من أي وقت مضى: لن يكون مقبولا، بالنسبة إلى أنصار الاتحاد، أن يُطلب من النادي الصمت عن تاريخه، أو أن يتحول نجاحه وانضباطه إلى سبب إضافي لتجاهله، بينما تستمر الأولويات في الاتجاه نفسه.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يحرج الجميع: هل أصبحت الرياضة الوجدية تقاس بما تقدمه الأندية فعلا، أم بعدد الأسماء الرنانة التي تحتل الواجهة؟ فبينما يواصل الاتحاد الرياضي الإسلامي الوجدي، بحسب جماهيره، العمل في صمت، ويستقبل مئات اللاعبين واللاعبات، ويحاول إنهاء مواسمه بإمكانيات محدودة ودون أزمات مالية، يبدو أن “سندباد الشرق” ما زال يحظى، في نظر المحتجين، برحلات أخرى في دفتر الأولويات، حتى عندما تكون نتائج الملاعب قد بدأت ترسم خريطة مختلفة.

ولعل المفارقة أن الاتحاد لا يطالب بإسقاط أحد من المشهد، ولا يريد انتزاع مكانة أي ناد، بل يطالب فقط بأن يُقاس بما يقدمه، وأن يحصل على حقه في الحضور والتمثيلية والدعم وفق معايير عادلة وواضحة. لقد آن الأوان، تقول الجماهير، لأن تتوقف الرياضة الوجدية عن توزيع الأدوار مسبقا: ناد للواجهة، وآخر للتكوين، وآخر ينتظر دوره في الطابور، بينما يفترض أن يكون الجميع تحت سقف واحد هو خدمة الرياضة والمدينة.

واليوم، بعد عقود من الصبر، رفع الاتحاد الرياضي الإسلامي الوجدي صوته. وإذا كان “سندباد الشرق” قد اعتاد، مجازا، أن يحمل حقائبه من محطة إلى أخرى بحثا عن الأضواء، فإن هذه المرة بدأت حكاية أخرى تُكتب: حكاية ناد ظل طويلا في الظل، لكنه قرر أخيرا أن يخرج إلى الضوء، لا ليطلب صدقة رياضية، بل ليطالب بمكانه الطبيعي داخل مدينة كان جزءا من ذاكرتها الرياضية. أما الرسالة الأخيرة إلى أصحاب القرار، فهي أن صبر الأندية ليس شيكا على بياض، وأن التهميش مهما طال لا يتحول إلى حق مكتسب.

فقد تصمت المدرجات طويلا، وقد يصبر النادي أكثر، لكن حين ينفد الصبر، لا تعود القضية قضية منحة أو ندوة أو صورة جماعية، بل تصبح قضية كرامة ناد وجمهوره وتاريخ مدينة بأكملها. وعندها لن تنفع كثرة التبريرات، لأن المدرجات تكون قد قالت كلمتها، والتاريخ لا ينسى من أنصفه، كما لا يرحم من اختار أن يدفن ذاكرة ناد عريق تحت ركام التهميش.
:::

17/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts