في مشهد يكشف الوجه الآخر للسياسة الأمريكية، تجد إسبانيا نفسها أمام تهديدات تجارية وبحرية ثقيلة، بعدما لوّحت اللجنة البحرية الفيدرالية الأمريكية بفرض رسوم تصل إلى 200 ألف دولار عن كل رحلة على السفن التي ترفع العلم الإسباني، مع التهديد بتقييد واردات مجموعة من المنتجات الإسبانية. والسبب؟ اتهامات لمدريد برفض السماح لسفن أمريكية بدخول موانئها. هكذا، وبكل بساطة، تتحول الموانئ إلى ساحة لتصفية الحسابات، وتصبح التجارة الدولية رهينة لمنطق الضغط واستعراض القوة.
وقالت اللجنة البحرية الفيدرالية الأمريكية إن تحقيقا بدأ في دجمبر 2024 كشف عن أدلة تفيد بأن إسبانيا منعت سفنا ترفع العلم الأمريكي من دخول موانئها، من بينها سفن كانت تنقل شحنات في إطار برنامج الأمن البحري التابع للإدارة البحرية الأمريكية. واعتبرت أن هذه الإجراءات تضر بكفاءة سلاسل الإمداد الدولية وموثوقيتها، وتعرقل الصادرات الأمريكية وقدرة واشنطن على دعم أسطولها التجاري.
لكن المفارقة الساخرة أن الولايات المتحدة، التي لا تتردد في تقديم نفسها حارسا لقواعد التجارة الحرة وانسيابية المبادلات، لا تجد حرجا في التلويح بسلاح الرسوم والقيود التجارية عندما تصطدم مصالحها بقرارات دولة أخرى. فبدل أن تظل الخلافات البحرية موضوعا للتفاوض والتسوية، يجري استحضار دفتر العقوبات، وكأن الأسواق العالمية ملكية خاصة لا يجوز لأحد أن يتصرف فيها خارج الحسابات الأمريكية.
والأكثر إثارة أن التهديد لا يتوقف عند السفن، بل يمتد إلى منتجات مدنية إسبانية تشمل العطور ومستحضرات التجميل والزيوت والدهون والسيراميك والمنتجات الحجرية والسكر والحلويات. أي إن الخلاف، وفق المقترحات المعلنة، قد يتجاوز شركات النقل والموانئ ليطال قطاعات اقتصادية كاملة، وربما يضع المصدرين والمنتجين أمام فاتورة نزاع لم يكونوا طرفا مباشرا فيه. إنها وصفة الضغط التجاري المعتادة: تضييق الخناق على قطاع، والتلويح بإرباك قطاعات أخرى، ثم تقديم ذلك باعتباره دفاعا عن قواعد المنافسة والإنصاف.
غير أن ما ينبغي التوقف عنده هو أن هذه التدابير لا تزال مجرد مقترحات، ولم تتحول إلى عقوبات نهائية دخلت حيز التنفيذ. فقد فتحت اللجنة الأمريكية المجال أمام تقديم ملاحظات مكتوبة بشأنها، وأعلنت أنها ستمنح إسبانيا فرصة لعرض حججها قبل الحسم. وبين التهديد والتنفيذ مسافة قانونية وسياسية لا يجوز القفز فوقها، مهما بدا عنوان العقوبات مغريا للاستعراض الإعلامي.
ومع ذلك، فإن الرسالة الأمريكية واضحة: حين يتعلق الأمر بالمصالح التجارية لواشنطن، يمكن أن تتحول الرسوم إلى عصا، والواردات إلى ورقة ضغط، والموانئ إلى جبهة مواجهة. أما الحديث عن حرية التجارة، فيبدو أنه يظل براقا ما دامت نتائجه تسير في الاتجاه الذي تريده القوة الأكبر.
وبالنسبة إلى مدريد، فإن الاختبار الحقيقي لن يقتصر على تبادل التصريحات أو انتظار ما ستقرره اللجنة، بل سيمتد إلى كيفية الدفاع عن مصالحها الاقتصادية والبحرية من دون الانجرار إلى مواجهة مكلفة. فالعلاقات بين الحلفاء لا تقاس بعدد الشعارات التي يرفعونها عن الشراكة، وإنما بمدى احترام كل طرف لمصالح الآخر عندما يقع الخلاف.
وهكذا، تجد إسبانيا نفسها أمام درس جديد في السياسة الدولية: التحالفات لا تلغي تضارب المصالح، والصداقة الدبلوماسية لا تمنع استخدام أدوات الضغط. أما التجارة الحرة، التي تقدم أحيانا باعتبارها فضاء مفتوحا للجميع، فقد تتحول فجأة إلى باب مشروط، وميناء برسوم باهظة، وقائمة واردات تنتظر قرارا سياسيا.
لكن الأخطر في هذه المواجهة أن الخلاف لا ينفصل عن التوترات السياسية المرتبطة بالشرق الأوسط وإسرائيل، في وقت تتصاعد فيه الضغوط على مدريد بسبب مواقفها وسياساتها تجاه النزاعات الإقليمية. وإذا مضت واشنطن في تحويل خلافاتها السياسية إلى عقوبات تجارية وبحرية، فقد تجد إسبانيا نفسها أمام اختبار يتجاوز حسابات السفن والموانئ إلى كلفة الاصطفاف السياسي وحدود استقلال القرار.
وهكذا، تلوح في الأفق مواجهة قد تبدأ بفاتورة قدرها 200 ألف دولار عن كل رحلة بحرية، لكنها قد تنتهي بحساب سياسي واقتصادي أثقل بكثير. فواشنطن ترفع سقف التهديد، ومدريد تجد نفسها أمام خيارات صعبة، فيما تظل الشركات والمصدرون في مرمى النيران. وفي لعبة القوة هذه، قد تكتشف إسبانيا أن التحالف لا يمنح حصانة دائمة، وأن العلم الذي يرفرف فوق السفينة لا يحميها بالضرورة من العاصفة حين تتحول السياسة إلى سلاح، والتجارة إلى عقاب، والصداقة بين الحلفاء إلى امتحان قاسٍ للمصالح والسيادة.
14/10/2026