kawalisrif@hotmail.com

بني أنصار :     العاهل الإسباني في زيارة إلى الجزء المحتل من إقليم الناظور وسط إستقبال كبير من الجالية الإسبانية

بني أنصار : العاهل الإسباني في زيارة إلى الجزء المحتل من إقليم الناظور وسط إستقبال كبير من الجالية الإسبانية

في مشهد حافل بالرمزية السياسية والاستعراضات البروتوكولية، حلّ العاهل الإسباني الملك فيليبي السادس وزوجته الملكة ليتيسيا، صباح يومه الأربعاء 14 أكتوبر 2026، بمدينة مليلية المحتلة ، الواقعة في إقليم الناظور ، في زيارة تهدف إلى التواصل مع الجالية الإسبانية المقيمة بالثغر المحتل ، الذي يبعد عن مدينة الناظور بحوالي عشرة كيلومترات فقط، ويشكل جزءاً من المجال الجغرافي للإقليم .

وتسعى مدريد إلى تقديم هذه الزيارة باعتبارها حدثاً تاريخياً يعزز حضور المؤسسة الملكية الإسبانية في الجزء المحتل من إقليم الناظور ، بعد قرابة 19 عاماً على آخر زيارة ملكية إلى المدينة، قام بها الملك المخلوع خوان كارلوس والملكة صوفيا في 6 نونبر 2007.

ويكتسي هذا الموعد أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الجغرافي لمليلية المحتلة ، التي تعتبر جزءا لا يتجزأ من بني أنصار ، والتي توجد على مقربة شديدة من مدينة الناظور، في مشهد تتداخل فيه الجغرافيا والتاريخ والسياسة. فالزيارة، وإن كان عنوانها الرسمي التواصل مع الجالية الإسبانية المقيمة بالثغر، تأتي في سياق أوسع يتصل بإصرار مدريد على إبراز حضورها المؤسسي في سبتة ومليلية المحتلتين، بينما يظل استرجاع الثغرين جزءاً من المطالب المغربية المرتبطة بالتاريخ والجغرافيا والسيادة الوطنية والحق المشروع .

غير أن زيارة الملك الإسباني إلى مليلية لا تعني أنه حلّ في مدينة الناظور أو قام بزيارة رسمية إلى الإقليم المغربي، بل إن وجهته كانت الثغر المحتل، حيث تقيم الجالية الإسبانية التي تشكل الفئة المستهدفة من هذه الزيارة. ويظل القرب الجغرافي بين المدينتين، اللتين لا تفصل بينهما سوى مسافة قصيرة، أحد أبرز المعطيات التي تمنح الجولة أبعاداً تتجاوز طابعها البروتوكولي.

وبحسب التسلسل الزمني المعلن، بدأت التحركات الملكية صباح الأربعاء من سبتة المحتلة، حيث قضى فيليبي السادس وليتيسيا ليلتهما في المدينة، في خطوة غير مسبوقة لملك إسباني خلال العهد الديمقراطي الحالي. وعند حوالي الساعة العاشرة والنصف صباحاً، غادر الملكان فندق بارادور سبتة في اتجاه مليلية، وسط هتافات عدد من السكان الذين احتشدوا لتوديعهما، قبل التوجه إلى المحطة التالية من جولتهما الملكية.

وفي حدود الساعة التاسعة والنصف صباحاً، كانت أعداد من السكان قد تجمعت في محيط ساحة إسبانيا بمليلية، في انتظار وصول الملكين، رغم حرارة الشمس، بينما استخدم بعضهم المراوح والنظارات الشمسية للتخفيف من تأثيرها. وفي موازاة ذلك، عملت السلطات المحلية على تهيئة الفضاءات العامة لاستقبال الضيفين الملكيين، وسط تعبئة أمنية وتنظيمية واسعة لضمان مرور الزيارة في أجواء احتفالية.

وعند الساعة التاسعة وخمس وأربعين دقيقة صباحاً، وصل فيليبي السادس وليتيثيا إلى مطار مليلية، لتبدأ الاستعدادات لنقلهما عبر موكب رسمي من السيارات إلى ساحة إسبانيا، حيث كان الاستقبال الشعبي والرسمي في انتظارهما.

وبحلول الساعة التاسعة وخمس وخمسين دقيقة صباحاً، كانت قناة تلفزيون مليلية قد وضعت ثلاث شاشات عملاقة في نقاط مختلفة من المدينة، حتى يتمكن السكان والمهتمون من متابعة تفاصيل الزيارة. ويعكس ذلك حجم الرهان الإعلامي على الحدث، الذي جرى تقديمه باعتباره محطة بارزة في حضور المؤسسة الملكية الإسبانية بالثغر.

لكن مهما اتسعت الشاشات وتعددت زوايا التصوير، فإن تضخيم المشهد لا يعني بالضرورة حسم الأسئلة التي يطرحها تاريخ سبتة ومليلية ووضعهما السياسي، خصوصاً في ظل استمرار الموقف المغربي المطالب باسترجاع الثغرين.

وعند الساعة العاشرة وخمس دقائق صباحاً، وصل الموكب الملكي إلى مقر جمعية مليلية، وسط إجراءات أمنية مشددة وهتافات من قبيل “إسبانيا! إسبانيا!” . وكان في استقبال الملكين رئيس الجزء المحتل من إقليم الناظور ، خوان خوسيه إمبرودا، قبل أن يتوجها إلى المواطنين المحتشدين خلف الحواجز الأمنية، حيث تبادلا التحيات مع عدد منهم.

وبعد ذلك، حرص فيليبي السادس وليتيسيا على التوقف للحديث مع بعض الحاضرين والتقاط الصور معهم، فيما أخرج الملك قلمه للتوقيع لبعض افراد الجالية الاسبانية المقيمين في الجزء المحتل من إقليم الناظور ، في مشاهد ركزت عليها التغطية الإعلامية .

غير أن هذا الجانب الاحتفالي لا ينبغي أن يحجب الخلفية السياسية للزيارة، التي تتجاوز مجرد التواصل مع الجالية الإسبانية المقيمة بمليلية، لتشمل أيضاً إبراز الحضور الرسمي الإسباني في مدينة هي جزء لا يتجزأ من المغرب .

وهنا يبرز السؤال الذي تطرحه هذه الجولة: هل يتعلق الأمر بزيارة ذات طابع اجتماعي وبروتوكولي فحسب، أم أن مدريد تسعى أيضاً إلى استثمار حضور الملك في تعزيز الرمزية السياسية لمليلية داخل المشهد الإسباني؟ فاختيار تقديم الزيارة باعتبارها حدثاً تاريخياً، إلى جانب حجم الاستعدادات والتغطية الإعلامية، يعكس الأهمية التي تمنحها السلطات الإسبانية لهذه المحطة.

فالزيارة الملكية لا تغير من حقيقة أن المغرب يعتبر سبتة ومليلية ثغرين مغربيين محتلين، وأن المطالبة باسترجاعهما تظل جزءاً من ملف تاريخي وسياسي حاضر في العلاقات المغربية الإسبانية. كما أن الحضور الإداري والأمني الإسباني، مهما امتد زمنه، لا يلغي استمرار الخلاف بشأن مستقبل الثغرين، ولا يجعل الملف خارج دائرة النقاش السياسي والدبلوماسي.

وبحسب البرنامج المعلن للزيارة، يتضمن جدول الأربعاء لقاءً في مقر جمعية مليلية، حيث يستقبل رئيس المدينة المحتلة العاهلين ويمنح فيليبي السادس مفتاح المدينة الذهبي، قبل عقد لقاء مع أعضاء الحكومة المحلية. كما يشمل البرنامج زيارة مدرسة «بينتور إدواردو مورياّس» الابتدائية، المقررة في الساعة الرابعة والربع بعد الزوال، ثم لقاءً مع ممثلين عن المجتمع المحلي في فندق مليلية بويرتو، ابتداءً من الساعة الخامسة وخمس وأربعين دقيقة مساءً، على أن يلقي الملك كلمة أمام الحاضرين.

ومن المقرر أن يشارك في اللقاء الأخير ممثلون عن فعاليات المجتمع المحلي والهيئات الدينية، في محاولة لإبراز التنوع الاجتماعي والثقافي للمدينة، وتقديم الزيارة في صورة تتجاوز البعد البروتوكولي إلى رسائل رمزية مرتبطة بالهوية والانتماء. وهكذا، لا يقتصر البرنامج على استقبال رسمي وجولة في بعض المؤسسات، بل يحمل أيضاً أبعاداً تسعى مدريد من خلالها إلى إبراز ارتباط المدينة بالمؤسسات الإسبانية.

وتأتي هذه التحركات بعد يوم كامل قضاه العاهلان في سبتة المحتلة، حيث حظيا باستقبال مماثل من الجالية الإسبانية في الثغر المحتل بعمالة الفنيدق ، وقضيا ليلتهما هناك للمرة الأولى في عهد النظام الديمقراطي الإسباني الحالي. وقد سعت السلطات الإسبانية إلى استثمار الجولة في إبراز ارتباط المدينتين بالمؤسسات الإسبانية، خصوصاً في أعقاب أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة في أواخر يوليوز الماضي، وهي خلفية تضفي على الزيارة أبعاداً تتجاوز الطابع الاحتفالي المعلن.

 

14/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts