في تحول جديد على مستوى تدبير القطاع الصحي بالمغرب، عُيّن يونس بجيجو من طرف صاحب الجلالة الملك محمد السادس وزيراً للصحة والحماية الاجتماعية، واضعاً على رأس هذا القطاع الحيوي اسماً يجمع بين التكوين الطبي المتخصص والخبرة الأكاديمية والتجربة في إدارة المؤسسات الصحية، في وقت تتزايد فيه انتظارات المغاربة بشأن جودة العلاج وتيسير الولوج إلى الخدمات الصحية.
وُلد يونس بجيجو يوم 22 يونيو 1971 بمدينة تازة، وشق مساره المهني عبر الجامعة ومؤسسات التكوين الطبي، قبل أن يتولى مسؤوليات إدارية وأكاديمية متقدمة، جعلته ينتقل تدريجياً من قاعات التدريس ومختبرات البحث إلى مواقع تدبير المؤسسات الصحية. غير أن التحدي الأكبر الذي ينتظره اليوم لا يتعلق فقط بتدبير المؤسسات، بل بمدى قدرته على تحويل خبرته العلمية والإدارية إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن داخل المستشفيات والمراكز الصحية.
ومن أبرز محطات مساره المهني، توليه منصب المدير المنتدب لمؤسسة الشيخ خليفة بن زايد منذ 9 شتنبر 2022، ثم المدير المنتدب لمؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة ابتداءً من 12 يوليوز 2023، وهما تجربتان تضعانه أمام رهانات تدبير المؤسسات الصحية وتطوير أدائها، في سياق يعرف فيه المغرب تحولات متسارعة في منظومته الصحية.
وعلى المستوى الأكاديمي، يشغل بجيجو منصب أستاذ للتعليم العالي من الدرجة “ج” بكلية الطب والصيدلة بالرباط، حيث راكم تجربة في التدريس والتكوين والبحث العلمي، وتولى مسؤوليات متعددة، من بينها رئاسة قسم التشريح، وإدارة وحدة التكوين والبحث في علم التشريح، ورئاسة مختبر الجراحة التجريبية والجراحة المجهرية. وهي محطات تعكس ارتباط مساره بالجامعة والبحث الطبي، وتمنحه خلفية علمية في قطاع تتداخل فيه المعرفة الطبية مع تعقيدات التدبير العمومي.
كما شغل منصب نائب رئيس جامعة الزهراوي الدولية لعلوم الصحة، مكلفاً بالشؤون الأكاديمية، خلال الفترة الممتدة من شتنبر 2016 إلى شتنبر 2022، وهي تجربة إضافية في تدبير الشأن الجامعي والتكوين الصحي، بما يفرضه من تنسيق بين البرامج الأكاديمية ومتطلبات التأهيل الطبي.
ويمتد حضوره إلى المجال العلمي الإفريقي، باعتباره عضواً مؤسساً للأكاديمية الإفريقية لعلوم الصحة، التي يتولى أمانتها الدائمة منذ نونبر 2025، فضلاً عن عضويته في جمعيات علمية متخصصة، من بينها الجمعية الملكية المغربية لأمراض النساء والتوليد، والجمعية المغربية لأمراض الثدي، والجمعية الفرنسية لعلم الثدي وأمراضه، والجمعية الفرنسية لجراحة النساء والحوض.
أما تكوينه، فيجمع بين شهادة الدكتوراه في الطب، والتخصص في أمراض النساء والتوليد، ودبلوم جامعي في البيداغوجيا الطبية من كلية الطب والصيدلة بالرباط، إلى جانب تكوينات في التدبير والقيادة، من بينها شهادة في “القيادة والتدبير في بيئة معقدة”، وماستر تنفيذي في “التدبير والسياسات الصحية” من معهد العلوم السياسية بباريس.
وبعيداً عن تفاصيل السيرة الأكاديمية والمهنية، فإن تولي يونس بجيجو حقيبة الصحة والحماية الاجتماعية يضعه أمام اختبار يتجاوز المؤهلات والشهادات والمناصب السابقة. فالمواطن المغربي لا ينتظر من الوزير الجديد مجرد إدارة المؤسسات أو تدبير الملفات، بل يتطلع إلى مستشفيات أكثر تجهيزاً، وموارد بشرية كافية، ومواعيد علاج أقرب، وأدوية متاحة، وخدمات تحفظ كرامة المرضى، خصوصاً الفئات الهشة وسكان المناطق القروية والبعيدة.
وبين رصيد أكاديمي ومهني متنوع وثقل المسؤولية الحكومية، تبدأ المرحلة الأصعب في مسار الوزير الجديد: الانتقال من خبرة التدبير داخل المؤسسات إلى مواجهة اختلالات منظومة صحية واسعة ومعقدة. فنجاحه لن يُقاس بعدد المناصب التي تقلدها أو الشهادات التي حصل عليها، وإنما بقدرته على إحداث تغيير ملموس في حياة المرضى، وتحويل وعود إصلاح الصحة إلى واقع يلمسه المغاربة يومياً.
ويونس بجيجو متزوج وأب لطفل واحد، لكن التحدي الذي ينتظره اليوم يتجاوز مساره الشخصي والمهني، ليضعه أمام مسؤولية كسب ثقة المواطنين في قطاع ترتبط خدماته بصحة الإنسان وكرامته. ففي نهاية المطاف، لا تكفي الشهادات ولا تعدد المناصب وحدهما للحكم على نجاح تجربة حكومية؛ بل تبقى النتائج الميدانية هي المعيار الحاسم، ويبقى السؤال الذي ينتظر المغاربة جوابه: هل تتحول الخبرة الأكاديمية والتدبيرية للوزير الجديد إلى تغيير حقيقي يضع صحة المواطن في صلب الأولويات؟
وهناك، في مستشفى تازة وفي أعماق المغرب البعيد عن الأضواء، يتجاوز التحدي حدود الأرقام والتقارير والمخططات، ليصل إلى معاناة المرضى الذين ينتظرون العلاج، والأسر التي ترهقها المسافات بحثاً عن الرعاية، والمواطنين الذين يتطلعون إلى خدمات صحية تحفظ كرامتهم وتصون حقهم في العلاج. وفي هذه المناطق، لن تكون الشهادات ولا المناصب وحدها هي التي ستحدد حصيلة الوزير الجديد، بل ما سيتحقق على أرض الواقع من تحسين للتجهيزات، وتعزيز للأطر الطبية، وتيسير للعلاج.
فهل ينجح ابن تازة في تحويل مستشفى مدينته وباقي المؤسسات الصحية إلى بوابة لإصلاح حقيقي، يجعل من المغرب العميق أولوية لا هامشاً، ومن الحق في العلاج واقعاً لا مجرد شعار؟ ذلك هو الامتحان الذي ستكشف نتائجه الميدانية وحدها مدى قدرة الوزير الجديد على الوفاء بانتظارات المغاربة.
16/10/2026