يطرح موضوع جودة الاستقبال داخل الإدارات العمومية إشكالات متجددة بشأن مدى احترام وقت المواطنين وكرامتهم، ومدى ترجمة الشعارات المرتبطة بتقريب الإدارة من المواطن وتحسين الخدمات العمومية إلى ممارسات ملموسة على أرض الواقع.
وفي هذا السياق، يروي بلال أهباض تجربة شخصية يقول إنه عاشها، بعدما اضطر إلى الانتظار لمدة أربع ساعات من أجل لقاء الكاتب العام لعمالة الإقليم، قبل أن ينتهي الأمر، بحسب روايته، بمطالبته بترك رقم هاتفه وانتظار اتصال لاحق، دون الحصول على جواب واضح بشأن الغرض من زيارته.
وتعيد هذه الواقعة، وفق ما أورده صاحبها، فتح النقاش حول ظروف استقبال المرتفقين داخل الإدارات العمومية، ومدى تيسير تواصل المواطنين مع المسؤولين، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بطلبات تستدعي التوضيح أو الإنصات أو تقديم أجوبة بشأن ملفات وانشغالات محددة.
ويطرح هذا الوضع تساؤلات حول المعايير المعتمدة في تنظيم استقبال المواطنين، ومدى احترام وقتهم، فضلاً عن ضرورة توفير قنوات تواصل واضحة تضمن معالجة طلباتهم في ظروف ملائمة، بعيداً عن الانتظار الطويل دون تحديد أجل واضح أو تقديم توضيحات كافية.
فهل يعقل أن يقضي المواطن أربع ساعات في انتظار لقاء مسؤول إداري، ثم يغادر دون جواب واضح بشأن طلبه؟ سؤال يعيد إلى الواجهة أهمية اعتماد مقاربة إدارية تجعل جودة الاستقبال وسرعة التواصل والإنصات إلى المرتفقين من بين المؤشرات الأساسية لتقييم أداء المرافق العمومية.
إن تقريب الإدارة من المواطن لا ينبغي أن يظل مجرد شعار في الخطابات الرسمية، بل يتعين أن ينعكس على الممارسة اليومية من خلال تحسين ظروف الاستقبال، واحترام المواعيد، وتيسير الولوج إلى المسؤولين، وتقديم المعلومات والأجوبة الضرورية داخل آجال معقولة.
كما أن المسؤولية الإدارية تقتضي التعامل مع المواطنين بروح من الجدية والاحترام، باعتبار أن المرافق العمومية وجدت أساساً لخدمتهم والاستجابة لحاجياتهم، وأن التواصل معهم يشكل جزءاً من المسؤوليات المرتبطة بتدبير الشأن العام.
ويؤكد صاحب هذه التجربة أن إثارة الموضوع لا تستهدف تصفية الحسابات أو المطالبة بامتياز شخصي، وإنما تروم التنبيه إلى إشكالية أوسع تتعلق بالعلاقة بين الإدارة والمواطن، وضرورة ترسيخ ثقافة الإنصات والتواصل الفعال، بما يعزز الثقة في المؤسسات الإدارية.
وفي ظل الأوراش المتواصلة لإصلاح الإدارة وتحديث خدماتها ورقمنتها، يظل تحسين جودة الاستقبال وتغيير أساليب التعامل مع المرتفقين من العناصر الأساسية لإنجاح هذا المسار. فالتطور التقني وتحديث البنيات الإدارية لن يحققا الأهداف المرجوة ما لم يلمس المواطن تحسناً فعلياً في طريقة التعامل مع طلباته وانشغالاته.
ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى تعزيز آليات استقبال المرتفقين، وتوضيح مساطر التواصل مع المسؤولين، وتفادي ترك المواطنين في انتظار غير محدد، مع الحرص على تقديم التوضيحات اللازمة بشأن طلباتهم، سواء تمت الاستجابة لها أو تعذر ذلك لأسباب إدارية أو قانونية.
إن الإدارة الفعالة هي التي تجعل المواطن في صلب اهتماماتها، وتحرص على تدبير وقته بكفاءة، وتوفر له سبل التواصل الواضح، بما يضمن معالجة انشغالاته في ظروف تحفظ كرامته وتعزز ثقته في المرفق العمومي.
وبين الشعارات المعلنة والممارسة اليومية، يظل التحدي الحقيقي هو تحويل مبدأ تقريب الإدارة من المواطن إلى سلوك مؤسساتي ملموس، قوامه الإنصات والشفافية والوضوح واحترام المرتفقين.
فوقت المواطن يستحق التقدير، وكرامته واجبة الاحترام، وجودة الخدمات العمومية ينبغي أن تقاس بمدى استجابتها لحاجياته، وقدرتها على توفير خدمة إدارية فعالة ومنصفة، لا بمجرد الشعارات التي ترفعها.
16/10/2026