kawalisrif@hotmail.com

رغم ضيق الحال.. مغربية تهزّ هولندا بطاجين لـ8 آلاف شخص.. فاطمة البوعزاتي تحوّل المعاناة إلى ملحمة تضامن ترفع رأس مغاربة العالم!

رغم ضيق الحال.. مغربية تهزّ هولندا بطاجين لـ8 آلاف شخص.. فاطمة البوعزاتي تحوّل المعاناة إلى ملحمة تضامن ترفع رأس مغاربة العالم!

في مبادرة إنسانية تحمل الكثير من الدلالات، تستعد المغربية فاطمة البوعزاتي، المنحدرة من منطقة الريف، للمشاركة في فعالية “عشاء المدينة الكبير” بمدينة أوتريخت الهولندية، من خلال إعداد الطاجين المغربي لفائدة نحو 8 آلاف شخص، يوم السبت 17 أكتوبر 2026، في خطوة تجمع بين الاعتزاز بالهوية المغربية ونبل العمل التطوعي، وتضع قيم التضامن والتآخي في صلب الحياة المجتمعية.

لكن قصة فاطمة لا تبدأ من هذا الموعد، ولا تختزلها مائدة ضخمة تستعد لاستقبال آلاف الأشخاص، بل تمتد إلى مسار من العمل التطوعي والمبادرات الاجتماعية التي جعلت منها واحدة من الوجوه النشيطة في حي كانالينآيلاند بمدينة أوتريخت، حيث اختارت أن تجعل من وقتها وجهدها وسيلة للتقريب بين السكان ومساندة الفئات التي تواجه صعوبات اجتماعية ومادية.

وفي وقت قد تبدو فيه الإمكانيات المحدودة عائقا أمام تحقيق المبادرات الطموحة، تقدم فاطمة نموذجا لامرأة تؤمن بأن التضامن لا يحتاج دائما إلى موارد كبيرة، بقدر ما يحتاج إلى إرادة صادقة وروح جماعية. فبالنسبة إليها، لا يتعلق الأمر بمجرد إعداد الطعام، بل بخلق مساحة يلتقي فيها الناس، ويتبادلون الحديث، ويشعرون بأنهم جزء من مجتمع يتسع للجميع.

وتكتسب هذه التجربة بعدا إنسانيا أعمق حين نعلم أن فاطمة أم لثلاث بنات، تتحمل مسؤوليات الأسرة بالتوازي مع انخراطها في أنشطة تطوعية تستهدف تقوية الروابط الاجتماعية ومساعدة السكان على تحسين ظروف عيشهم. وبين واجبات الأمومة ومتطلبات الحياة اليومية، تجد هذه المرأة المغربية مساحة للعطاء، مؤكدة أن الانشغال بالأسرة لا يلغي القدرة على خدمة المجتمع، وأن المبادرات الصغيرة قد تتحول، مع الاستمرار والتعاون، إلى قوة حقيقية للتغيير.

وقد بدأت خطواتها التطوعية بمساهمات بسيطة في الأنشطة التي تنظمها مؤسسة “بسمة أكاديمي”، قبل أن يتسع نطاق انخراطها في المبادرات المجتمعية. كما تشارك في حلقات الادخار التابعة لبرنامج “كاش تو غرو”، الذي يشجع الادخار الجماعي، وتؤدي دور المرافقة في مجال نمط العيش لدى “بسمة أكاديمي”، حيث تساعد المشاركين على تبني أساليب حياة أكثر صحة، وتعزز لديهم الوعي بأهمية الاستقرار المالي.

وتكشف هذه التجارب عن وجه آخر للعمل التطوعي، يتجاوز تقديم المساعدة الآنية إلى تمكين الأفراد وتعزيز قدرتهم على مواجهة التحديات اليومية. فالتضامن، كما تعكسه تجربة فاطمة، ليس مجرد تعاطف مع المحتاجين، بل ممارسة عملية تقوم على تبادل الخبرات، وبناء الثقة، وتشجيع الاعتماد على الذات، وفتح المجال أمام الجميع للمساهمة في تحسين محيطهم الاجتماعي.

ومن أبرز المبادرات التي تعتز بها فاطمة مشروع الوجبات الجماعية لسكان الحي، الذي أُطلق في فترة واجه فيها عدد من السكان ظروفا صعبة. ولم يكن الهدف من تنظيم تلك الوجبات مجرد توفير الطعام، بل خلق فضاء للتلاقي والتواصل، يشعر فيه المشاركون بالدفء الإنساني والمساندة، بعيدا عن الإحساس بالعزلة الذي قد تفرضه الضغوط الاجتماعية والاقتصادية.

غير أن طريق العمل التطوعي لم يكن مفروشا بالورود؛ فقد واجهت فاطمة، شأنها شأن كثير من الناشطين اجتماعيا، تحديات مرتبطة بنقص الموارد وقلة المتطوعين. لكنها اختارت البحث عن حلول عملية، من خلال التعاون مع مؤسسات وجمعيات محلية، من بينها “هاوس أوف فريد” وائتلاف مكافحة الفقر، لتجاوز العقبات ومواصلة تنفيذ المبادرات التي تؤمن بأهميتها.

وتؤمن فاطمة بأن تقوية الروابط بين السكان تبدأ من أمور بسيطة قد تبدو عادية، مثل تناول وجبة مشتركة، أو تبادل الحديث، أو المشاركة في نشاط جماعي. غير أن هذه التفاصيل اليومية، في نظرها، قادرة على بناء الثقة وتجاوز الحواجز الاجتماعية، وتحويل الجيران من مجرد أشخاص يتقاسمون المجال السكني إلى أفراد تربطهم علاقات إنسانية حقيقية.

ومن هنا، تكتسب مشاركتها في فعالية “عشاء المدينة الكبير” دلالة تتجاوز إعداد الطاجين المغربي لآلاف الأشخاص. فهي امتداد لتجربة ميدانية راكمتها في العمل التطوعي، ورسالة تؤكد أن الطعام يمكن أن يتحول إلى لغة مشتركة بين أشخاص تختلف خلفياتهم الثقافية والاجتماعية، لكنهم يلتقون حول حاجة إنسانية واحدة إلى التواصل والانتماء والتضامن.

وسيحمل الطاجين المغربي، في هذه المناسبة، أكثر من نكهة مألوفة؛ إذ يستحضر تقاليد مغربية عريقة ارتبطت بالكرم والضيافة ولمّة الأسرة وتقاسم الطعام. ومن خلال هذه المشاركة، تجد الثقافة المغربية طريقها إلى مائدة تضم آلاف الأشخاص، لتقدم صورة عن مغاربة العالم الذين يحافظون على ارتباطهم بجذورهم، ويساهمون في الوقت نفسه في الحياة الاجتماعية للمجتمعات التي يعيشون فيها.

وتسلط قصة فاطمة الضوء كذلك على الدور الذي يمكن أن تضطلع به النساء المغربيات في المهجر، ليس فقط داخل أسرهن، بل أيضا في محيطهن الاجتماعي، من خلال المبادرات التطوعية التي تلامس قضايا الفقر والعزلة والاستقرار المالي والصحة والتماسك المجتمعي. وهي أدوار لا تحظى دائما بما تستحقه من اهتمام، رغم أن أثرها قد يكون عميقا في حياة الأفراد والأسر المستفيدة منها.

وفي هذا السياق، سبق أن سلطت مجلة الحي الهولندية “دي زاودفيستر” الضوء على تجربة فاطمة، ضمن ركن خصصته لإبراز الوجوه التي تصنع الفرق بعيدا عن الأضواء، مقدمة إياها باعتبارها مصدر إلهام وتقارب داخل حي كانالينآيلاند. وأبرزت المجلة أن قوة المبادرات المجتمعية لا تكمن بالضرورة في حجمها، بل في قدرتها على جمع الناس وتحفيزهم على المشاركة في خدمة محيطهم.

وتختزل فاطمة البوعزاتي، من خلال مسارها، رسالة بسيطة وعميقة في آن واحد: ليس ضروريا أن يمتلك الإنسان إمكانيات كبيرة حتى يصنع أثرا إيجابيا في حياة الآخرين؛ فقد تبدأ الحكاية بوجبة طعام، أو ساعة من التطوع، أو مساعدة صغيرة، ثم تكبر بفضل التعاون والإصرار والثقة المتبادلة.

وهكذا، تستعد ابنة الريف المغربي لتقديم الطاجين إلى آلاف الأشخاص في أوتريخت، حاملة معها صورة امرأة جعلت من العمل التطوعي نهجا للحياة، ومن المائدة جسرا للتواصل، ومن التضامن مسؤولية مشتركة. وبين ضيق الإمكانيات واتساع دائرة العطاء، تبرز حكايتها باعتبارها نموذجا مشرفا لمغاربة العالم الذين يتركون بصمتهم في المجتمعات التي يعيشون فيها، دون أن يتخلوا عن قيمهم وجذورهم المغربية.

فاطمة لا تستعد فقط لإطعام 8 آلاف شخص؛ إنها تحمل إلى المائدة حكاية امرأة تؤمن بأن الإنسان يستطيع، حتى في أصعب الظروف، أن يمنح الآخرين شيئا من الأمل. وفي زمن تتسع فيه المسافات بين الناس، قد يكون طبق من الطاجين المغربي كافيا ليجمع آلاف القلوب حول معنى واحد: أن التضامن لا يُقاس بما نملك، بل بما نستطيع أن نقدمه للآخرين.

16/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts