انتقلت فاطمة السعدي، إحدى الوجوه السياسية المنحدرة من مدينة الحسيمة والقيادات النسائية البارزة داخل حزب الأصالة والمعاصرة، من تدبير الشأن المحلي والعمل البرلماني والحزبي إلى تحمل مسؤولية حكومية، بعدما عينها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، وزيرة منتدبة لدى وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، مكلفة بالإسكان وسياسة المدينة، ضمن تشكيلة الحكومة الجديدة.
ويشكل هذا التعيين محطة جديدة في المسار السياسي للسعدي، التي راكمت تجربة امتدت لسنوات في العمل الجمعوي والتدبير الجماعي والمؤسسات التشريعية، قبل أن تتبوأ موقعاً داخل القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، إلى جانب فاطمة الزهراء المنصوري ومحمد المهدي بنسعيد.
وتعود البدايات الأولى لمسار فاطمة السعدي إلى مدينة الحسيمة، حيث وُلدت سنة 1969، وتابعت دراستها الابتدائية والثانوية، قبل أن تواصل مسارها الجامعي في اللغة العربية واللسانيات، ثم تتابع دراساتها العليا بالرباط. كما اشتغلت إطاراً إدارياً بوزارة التعليم العالي، قبل أن يتوسع حضورها في العمل الجمعوي والسياسي.
ولم يبدأ ارتباط السعدي بالشأن العام من المؤسسات السياسية، بل سبقته تجربة في العمل الجمعوي، إذ انخرطت سنة 1994 في جمعية التضامن والعمل الاجتماعي والإنساني بالحسيمة، وهي تجربة شكلت إحدى المحطات الأولى في مسارها، قبل انتقالها إلى العمل السياسي مع حركة “لكل الديمقراطيين” ، التي مهدت لتأسيس حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2008.
وفي سنة 2009، دخلت السعدي تجربة التدبير الجماعي من بوابة رئاسة المجلس الجماعي للحسيمة، بعدما انتُخبت على رأس الجماعة، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب بالمدينة، وفق المعطيات المنشورة بشأن مسارها. واستمرت تجربتها في رئاسة الجماعة إلى غاية سنة 2015، وهي المرحلة التي ارتبط خلالها اسمها بتدبير الملفات المحلية والعمل داخل المؤسسة المنتخبة.
وبعد مغادرتها رئاسة المجلس الجماعي، واصلت فاطمة السعدي مسارها السياسي من خلال المؤسسة التشريعية، إذ التحقت بمجلس النواب سنة 2016، حيث خاضت تجربة برلمانية عن إقليم الحسيمة خلال الولاية التشريعية الممتدة من 2016 إلى 2021. وشكلت هذه المرحلة انتقالاً من تدبير الشأن المحلي إلى الاشتغال داخل المؤسسة التشريعية، بما يرافق ذلك من نقاشات حول السياسات العمومية والقضايا الاجتماعية والتنموية.
وعلى المستوى الحزبي، تدرجت السعدي داخل هياكل حزب الأصالة والمعاصرة، وشغلت منصب نائبة الأمين العام خلال الفترة الممتدة من 2020 إلى 2024، قبل أن تصبح، في أكتوبر 2024، عضواً في القيادة الجماعية للحزب إلى جانب فاطمة الزهراء المنصوري ومحمد المهدي بنسعيد. وقد عزز هذا الموقع حضورها داخل الهيئات القيادية للتنظيم، ومكنها من مواصلة الاشتغال في إطار العمل السياسي الوطني.
ويأتي تعيينها وزيرة منتدبة مكلفة بالإسكان وسياسة المدينة ليضعها أمام مسؤولية حكومية ترتبط بواحد من أكثر القطاعات التصاقاً بالانشغالات اليومية للمواطنين، بالنظر إلى ارتباط السكن بالاستقرار الاجتماعي والقدرة الشرائية للأسر، فضلاً عن دور السياسات الحضرية في تحسين ظروف العيش وتأهيل المجالات العمرانية.
وتنتظر القطاع ملفات متعددة، من بينها مواكبة برامج الدعم المباشر للسكن، وتعزيز العرض السكني، والمساهمة في معالجة إشكالات السكن غير اللائق، وتأهيل الأحياء الحضرية، وتحسين جودة الفضاءات العامة، إلى جانب العمل على تقليص الفوارق المجالية وتحسين ظروف عيش المواطنين داخل المدن.
كما تكتسي هذه المسؤولية أهمية بالنسبة إلى المدن المتوسطة والصغرى، التي تواجه تحديات مرتبطة بتوسع المجال الحضري، والحاجة إلى تجهيز الأحياء، وتحسين البنيات الأساسية، وضمان انسجام مشاريع السكن مع متطلبات التعمير والتنمية المحلية.
وبالنسبة إلى الحسيمة وإقليمها ومختلف مناطق الريف، يفتح وصول شخصية سياسية من المنطقة إلى المسؤولية الحكومية نقاشاً حول انتظارات الساكنة من السياسات العمومية في مجال السكن وتأهيل المدن، ومدى قدرة البرامج الوطنية على الاستجابة للحاجيات المحلية. غير أن انعكاس هذا التعيين على المنطقة سيظل مرتبطاً بطبيعة المشاريع والقرارات التي ستُعتمد، وبمستوى التنسيق بين الوزارة والجماعات الترابية وباقي المؤسسات المعنية.
وهكذا، تجد فاطمة السعدي نفسها أمام مرحلة جديدة تختلف عن تجربتها السابقة على رأس جماعة الحسيمة وداخل البرلمان وهياكل الحزب، بعدما انتقلت إلى موقع المسؤولية الحكومية في قطاع تتقاطع فيه الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية.
ويظل التحدي الأبرز أمام الوزيرة الجديدة هو ترجمة الاختصاصات المسندة إليها إلى برامج وإجراءات ملموسة، قادرة على الاستجابة لانتظارات المواطنين، وتعزيز الولوج إلى السكن اللائق، والمساهمة في تأهيل المدن وتحسين جودة الحياة، بما يجعل حصيلة هذه المرحلة مرتبطة بالنتائج المحققة على أرض الواقع.
16/10/2026