kawalisrif@hotmail.com

من فقاعات “كوكا كولا” إلى حقول الفلاحة ومشاريع “المغرب الأخضر” … خالد حاتمي من كرسي إدارة الشركات إلى امتحان وزارة السيادة الغذائية !

من فقاعات “كوكا كولا” إلى حقول الفلاحة ومشاريع “المغرب الأخضر” … خالد حاتمي من كرسي إدارة الشركات إلى امتحان وزارة السيادة الغذائية !

من عالم المقاولات متعددة الجنسيات، حيث تُقاس النتائج بالأرقام وحجم المبيعات، إلى وزارة تُقاس حصيلتها بقدرتها على حماية الأمن الغذائي للمغاربة ومواجهة تقلبات الأسواق والجفاف وغلاء الأسعار.. هكذا انتقل خالد حاتمي من تجربة مهنية في القطاع الخاص، ارتبطت من بين محطاتها بإدارة شركة “كوكا كولا” بالمغرب، إلى قيادة وزارة الفلاحة والصيد البحري والسيادة الغذائية، في تعيين يفتح الباب أمام تساؤلات سياسية واقتصادية بشأن رهانات المرحلة المقبلة.

ففي التشكيلة الحكومية الجديدة التي جرى تعيين أعضائها يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، أُسندت إلى خالد حاتمي حقيبة من أكثر الحقائب حساسية في الاقتصاد الوطني، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بقوت المغاربة، ومداخيل الفلاحين، ومستقبل العالم القروي، واستدامة الثروة السمكية، فضلاً عن التحدي الاستراتيجي المتمثل في تقليص التبعية للأسواق الخارجية وتعزيز السيادة الغذائية للمملكة.

ويحمل المسار المهني للوزير الجديد بصمة عالم المقاولات؛ إذ راكم أكثر من ثلاثين سنة من الخبرة في التدبير والتسيير، خاصة في قطاعات الصناعة والصناعات الغذائية والفلاحة، وتولى لأكثر من عشر سنوات مسؤوليات قيادية على رأس شركات متعددة الجنسيات ومجموعات كبرى. كما يتوفر على تكوين في إدارة الأعمال واستراتيجية المقاولات وحكامة الشركات والتسويق والمبيعات، وهي مؤهلات قد تشكل رصيداً في تدبير قطاع يحتاج إلى النجاعة والتخطيط والاستثمار، لكنها تضعه أيضاً أمام اختبار مختلف تماماً عن منطق السوق.

فالفلاحة ليست مجرد شركة تبحث عن توسيع حصتها في السوق، والبحر ليس خط إنتاج تحكمه مؤشرات الربحية وحدها، والسيادة الغذائية ليست شعاراً تسويقياً يمكن ترويجه بحملة إعلانية ناجحة. إنها ملفات ترتبط بمعيشة ملايين المغاربة، وبقدرة الفلاح الصغير على الصمود، وبحق المستهلك في أسعار معقولة، وبحماية الموارد المائية والبحرية من الاستنزاف، وبمدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق التوازن بين الاستثمار والعدالة الاجتماعية.

وعلى المستوى السياسي، انتُخب خالد حاتمي عضواً بمجلس النواب عن دائرة تارودانت الجنوبية باسم حزب الأصالة والمعاصرة خلال الولاية التشريعية 2021-2026، كما شغل عضوية لجنة المالية. وبذلك، فإن انتقاله إلى الحكومة لا يمثل انتقالاً من عالم الأعمال إلى المسؤولية التنفيذية فحسب، بل يأتي أيضاً بعد تجربة برلمانية تتيح له الاطلاع على جانب من النقاشات المرتبطة بالاقتصاد والمالية والتنمية.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كان الوزير الجديد قادراً على تدبير المؤسسات الكبرى، بل كيف سينقل خبرته من مكاتب الإدارة إلى حقول الفلاحين، ومن حسابات الشركات إلى ميزانيات الأسر، ومن مؤشرات الأداء التجاري إلى مؤشرات الأمن الغذائي الفعلي.

فالمغاربة لا ينتظرون من وزير الفلاحة مجرد تدبير إداري محكم، بل يريدون نتائج ملموسة في أسواق الخضر والفواكه واللحوم والأسماك، وإجراءات تخفف ضغط الأسعار، وسياسات تنصف الفلاحين الصغار، وتواجه آثار الإجهاد المائي والتغيرات المناخية، وتضمن أن تتحول الاستثمارات الفلاحية إلى قيمة مضافة تصل إلى المنتج والمستهلك معاً.

أما قطاع الصيد البحري، الذي يدخل بدوره ضمن اختصاصات الوزارة، فيحتاج إلى مقاربة توازن بين تنمية الاقتصاد الأزرق، وحماية الثروة السمكية، وتحسين أوضاع المهنيين، وتعزيز سلاسل التثمين والتسويق، حتى لا تتحول وفرة الموارد الطبيعية إلى أرقام اقتصادية لا يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.

وبين تجربة المقاولات ورهانات تدبير الشأن العام، تبدو مهمة خالد حاتمي أكبر من مجرد تغيير المنصب أو الانتقال من قطاع إلى آخر. فنجاح المسؤول الحكومي لا يُقاس فقط بما راكمه من شهادات وخبرات، بل بما يستطيع تحقيقه من نتائج في قطاع تتقاطع فيه مصالح الفلاحين والمهنيين والمستثمرين والمستهلكين، وتتشابك داخله تحديات المناخ والأسعار والاستيراد والإنتاج.

وفي النهاية، قد تكون تجربة إدارة “كوكا كولا” قد منحته أدوات التدبير والتفاوض وقيادة المؤسسات، لكن وزارة الفلاحة والصيد البحري والسيادة الغذائية ستضعه أمام امتحان من نوع آخر؛ امتحان لا تكفي فيه لغة الأرقام ولا تحسمه مهارات التسويق، لأن الحكم النهائي لن يصدره مجلس إدارة شركة، بل ستكتبه نتائج الحقول والموانئ والأسواق، وستقيسه قدرة السياسات العمومية على حماية قوت المغاربة وتحويل شعار السيادة الغذائية من عنوان حكومي إلى حقيقة ملموسة فوق موائد الأسر المغربية.

17/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts