kawalisrif@hotmail.com

سبتة المحتلة تشعل معركة البحر .. مرسوم مغربي من 1975 يربك مدريد ويفتح جبهة السيادة البحرية من جديد !

سبتة المحتلة تشعل معركة البحر .. مرسوم مغربي من 1975 يربك مدريد ويفتح جبهة السيادة البحرية من جديد !

في محاولة جديدة لتقديم التحركات البحرية المغربية باعتبارها مصدر تهديد، تعود منابر إعلامية إسبانية إلى استحضار مرسوم مغربي يعود إلى سنة 1975، لتصوير وجود سفن البحرية الملكية المغربية بالقرب من سبتة المحتلة وكأنه أزمة سيادية طارئة. غير أن المفارقة التي تكشفها المعطيات المنشورة في هذا الملف أن مدريد، التي تسارع إلى إطلاق الإنذارات كلما تعلق الأمر بتحرك مغربي، لا تزال تواجه أسئلة بشأن ترسيم حدودها البحرية ونشرها رسمياً، رغم مرور عقود على سن تشريعاتها المنظمة للمياه الإقليمية.

والأطرف أن الرواية الإسبانية تتعامل مع التحركات البحرية المغربية بمنطق الاتهام المسبق، بينما تقر في الوقت نفسه بأن الحدود البحرية المحاذية لسبتة المحتلة لم تخضع لترسيم محدد ومعلن ومتفق عليه مع المغرب. وهنا يبرز سؤال بسيط، لكنه يبدو مزعجاً لبعض الأقلام الإسبانية: كيف يمكن الجزم بوقوع “اختراق بحري” قبل الكشف عن إحداثياته الدقيقة وتحديد موقعه وتوضيح الأساس القانوني الذي يستند إليه الاتهام؟ أم أن إصدار الأحكام أصبح أسهل من نشر الخرائط؟

المرسوم المغربي رقم 2.75.311، الصادر في 21 يوليوز 1975 والمحفوظ ضمن أرشيف التشريعات البحرية للأمم المتحدة، ليس وثيقة وُضعت على عجل رداً على أحداث الصيف الماضي، بل نص قانوني يعود إلى نصف قرن، ويتضمن مقتضيات تتعلق بخطوط إغلاق الخلجان والمجالات البحرية التي يعتبرها المغرب تابعة له. ويشمل هذا الترسيم خليجي سبتة، من خلال خطوط تنطلق من رأسي ليونا وألمينة، في إطار تصور مغربي لمجاله البحري يعود إلى ما قبل الضجيج الإعلامي الراهن بعقود.

وبدل التعامل مع هذه المعطيات باعتبارها جزءاً من خلاف قانوني وسياسي يحتاج إلى نقاش موثق، تركز الرواية الإسبانية على تحركات السفن المغربية، وكأن مجرد إبحار فرقاطة أو زورق تابع للبحرية الملكية بالقرب من سبتة المحتلة يكفي لإعلان حالة استنفار. أما تحديد المسؤولية القانونية، فيبدو أنه تفصيل يمكن تأجيله إلى ما بعد نشر العناوين المثيرة، مع أن المنطق يفرض العكس: الإحداثيات أولاً، والأدلة ثانياً، ثم الاتهامات إن ثبت ما يبررها.

والأكثر إثارة للاستفهام أن إسبانيا لم تستكمل، وفقاً لما أورده التقرير، تحديد خطوط الأساس الخاصة بسبتة ومليلية المحتلتين، رغم أن تشريعها البحري يعود إلى سنة 1977. كما أن المرسوم الملكي المنظم لهذه الخطوط لم يشمل المدينتين ولا جزر كبدانة “إيشفارن” والصخور الخاضعة للإدارة الإسبانية. ومع ذلك، تتحدث بعض العناوين عن “توغل مغربي” بلهجة توحي بأن الحدود البحرية المزعومة مرسومة على الأرض، أو بالأحرى في البحر، ومحسومة بصورة لا تقبل النقاش. يبدو أن الخرائط في بعض التغطيات الصحفية أكثر وضوحاً من الوثائق التي يفترض أن تستند إليها.

صحيح أن غياب الترسيم المنشور لا يعني تلقائياً انعدام البحر الإقليمي لسبتة المحتلة، لكنه يفرض على مدريد توضيح الأساس القانوني الذي تستند إليه، والكشف عن الإحداثيات الدقيقة التي تحدد موقع الحوادث المزعومة، بدلاً من إطلاق أحكام نهائية قبل عرض تفاصيل القضية على الرأي العام. فالقانون الدولي لا يُطبَّق بالتصريحات التلفزيونية، كما أن تكرار كلمة “اختراق” في العناوين لا يحولها، بطريقة سحرية، إلى حقيقة قانونية ثابتة.

وفي المقابل، لا يخفي المغرب موقفه من جيبي سبتة ومليلية وباقي الثغور المغربية الواقعة تحت الإدارة الإسبانية. فقد أكد، في تصريحه المرفق بالمصادقة على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار سنة 2007، أن هذه المناطق أراضٍ مغربية خاضعة للاحتلال الإسباني. وهو موقف رسمي موثق لدى الأمم المتحدة، وليس شعاراً ظرفياً ظهر مع تحركات السفن أو مع اشتداد السجال الإعلامي.

أما الرد الإسباني، الذي تمسك بالسيادة المزعومة على هذه المناطق ومجالاتها البحرية، فيعكس استمرار الخلاف بين البلدين، لكنه لا يجعل الموقف الإسباني الحقيقة الوحيدة الممكنة، ولا يلغي المطالب المغربية بمجرد إعلان مدريد اعتراضها عليها. فالخلاف قائم، والمواقف متعارضة، والاحتكام إلى القانون يقتضي عرض الحجج والوثائق من الجانبين، لا التعامل مع الرواية الإسبانية كما لو أنها حكم نهائي صادر عن محكمة دولية.

وتزداد علامات الاستفهام مع استمرار غياب الإحداثيات الدقيقة للحوادث التي جرى الحديث عنها في نهاية يوليوز وبداية غشت. فقد تحدثت تقارير إسبانية عن تحركات متكررة لفرقاطة مغربية وزوارق دورية، وعن اقتراب زورقين من الاصطدام، قبل أن تقر الحكومة الإسبانية بوقوع حوادث محدودة، من دون نشر المعطيات الجغرافية الضرورية للتحقق المستقل من الرواية.

وهنا لا يتعلق الأمر بتبرير أي تصرف غير مشروع، بل برفض تحويل الاتهام إلى إدانة مسبقة. فإذا كانت مدريد واثقة من روايتها، فما الذي يمنعها من نشر الإحداثيات وتقديم الأدلة وتوضيح القواعد القانونية التي تقول إن السفن المغربية خالفتها؟ أما الاكتفاء بمصادر مجهولة، ثم بناء استنتاجات سياسية واسعة على معلومات غير مكتملة، فلا يصنع حقيقة قانونية، حتى لو تصدرت القصة صفحات الجرائد.

كما أن استحضار اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لا ينبغي أن يتحول إلى تمرين انتقائي، تُستدعى فيه المواد التي تخدم الموقف الإسباني وتُترك بقية التفاصيل خارج الصورة. فالخلاف بشأن خليجي سبتة وغيرها من المجالات البحرية يتطلب فحص النصوص والإحداثيات والوقائع، مع التمييز بين ما هو موقف قانوني معلن وما هو ادعاء يحتاج إلى إثبات. أما اختزال نزاع معقد في ثنائية جاهزة، عنوانها “إسبانيا صاحبة الحق والمغرب المتهم”، فهو أقرب إلى صناعة رواية سياسية منه إلى تقديم معالجة صحفية متوازنة.

وفي السياق نفسه، تبدو محاولة ربط التحركات البحرية المغربية باتهامات تتحدث عن تحريك تدفقات الهجرة من الرباط جزءاً من خطاب أوسع يسعى إلى وضع المغرب باستمرار في قفص الاتهام. فالتزامن بين أزمة الهجرة والتحركات البحرية لا يشكل، في حد ذاته، دليلاً على وجود خطة مشتركة أو عملية ضغط مدبرة. وإذا كانت هناك أدلة على ذلك، فمكانها ملفات موثقة ومعطيات قابلة للتحقق، لا الاستنتاجات التي تتضخم كلما غابت المعلومات الدقيقة.

ولا يمكن تجاهل أن العلاقات المغربية الإسبانية تشمل ملفات متشابكة، من الأمن والهجرة إلى التجارة والتعاون الإقليمي. لكن هذه المصالح لا تبرر تحويل كل تحرك مغربي إلى مادة للتخويف، ولا تعفي المؤسسات الإسبانية من مسؤولية توضيح حدودها البحرية ومواقفها القانونية بشفافية. فليس من المعقول أن تطالب مدريد الآخرين بتقديم التوضيحات، بينما تظل بعض التفاصيل الأساسية في روايتها غائبة عن الرأي العام.

أما المفاوضات الثنائية التي أعيد تفعيلها في إطار خارطة الطريق الموقعة في أبريل 2022، فقد انصبت، وفقاً للمعطيات المنشورة، على ترسيم المجالات البحرية في الواجهة الأطلسية، فيما بقيت مياه البحر الأبيض المتوسط خارج نطاق تلك المحادثات. وهذا يعني أن الملف لم يُحسم نهائياً، وأن تسويته تحتاج إلى إرادة سياسية وتفاوض جاد، لا إلى سباق في إطلاق الاتهامات أو منافسة إعلامية على أكثر العناوين إثارة.

في النهاية، يبدو أن بعض الأقلام الإسبانية اكتشفت اختراعاً استراتيجياً غير مسبوق: ترسيم الحدود البحرية بالحبر الصحفي، وإعلان السيادة بالصراخ، وتحويل كل سفينة مغربية إلى أسطول غازٍ بمجرد أن تلامس عدسة كاميرا أو مخيلة محرر مرتبك مياه المتوسط! فبدل إخراج الخرائط والإحداثيات والوثائق من الأدراج، يجري إخراج عناوين نارية من المطابع، وكأن البحر سيغيّر جغرافيته احتراماً لمانشيت عريض، أو أن المغرب سيتنازل عن مطالبه التاريخية لأن صحيفة إسبانية رفعت مستوى الصوت إلى أقصى درجات الهلع.

والأكثر إثارة للسخرية أن مرسوماً مغربياً يعود إلى سنة 1975 يكفي لإعادة فتح أسئلة ظنت مدريد أنها تستطيع إبقاءها تحت السطح، بينما لا تكفي عشرات العناوين لإثبات ادعاء واحد ما لم تسنده الأدلة. يا لها من عبقرية جيوسياسية: حين تعجز السياسة عن حسم النزاع، تتولى الصحافة رسم الحدود بالمبالغة، وتوزيع صكوك السيادة من فوق مكاتب التحرير! لكن البحر، لسوء حظ أصحاب الضجيج، لا يعترف بالمانشيتات، والخرائط لا ترتجف أمام الصراخ، والمغرب ليس مطالباً بتغيير موقفه كلما أصيب عنوان إسباني بنوبة استنفار.

18/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts