خرجت رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، للدفاع بقوة عن اختيارات حكومتها، رافضة الانتقادات التي رافقت إعفاء الوزيرة الاستقلالية مديحة خيير، ومؤكدة أن القرار لم يكن نتيجة ارتباك في التدبير، وإنما يعكس، بحسب تعبيرها، جرأة سياسية في التعامل مع الشبهات المرتبطة بالمسؤولية العمومية. كما شددت على أن الحكومة عازمة على محاربة الفساد وتضارب المصالح، رافعة شعار رفض إغناء الأغنياء على حساب الفقراء.
وخلال ردها، اليوم الأربعاء، على مداخلات فرق ومجموعات مجلس المستشارين، أكدت المنصوري أن الحكومة ستشرع في مواجهة الفساد وتضارب المصالح في أقرب وقت، معتبرة أن هذا التوجه يعكس طبيعتها السياسية وقدرتها على اتخاذ القرارات التي تفرضها المسؤولية، بدل التردد أمام الملفات التي تثير الشبهات.
وبخصوص إعفاء مديحة خيير، أوضحت رئيسة الحكومة أن القرار جاء بعدما تبين وجود شبهة لم تكن معروفة لديها في البداية، مشيرة إلى أن الوزيرة المعنية كانت قد طالبت برد الاعتبار لها عن طريق القضاء. واعتبرت أن ظهور معطيات جديدة فرض التعامل مع الملف بحزم، مضيفة أن الحكومة لا يمكنها التساهل مع أي وضع قد يثير الشكوك بشأن تدبير المال العام أو ينعكس على مستقبل المغاربة.
وكشفت المنصوري أن القرار اتُّخذ بعدما أظهرت الوثائق والمعلومات وجود شبهات من شأنها أن تطرح صعوبات بشأن قدرة المعنية بالأمر على تدبير المال العام، مؤكدة أنها طلبت إعفاءها من الملك، الذي تجاوب مع طلبها في أقرب وقت. وشددت، في هذا السياق، على أن الحكومة لن تسمح بتحويل المسؤولية الحكومية إلى مجال للشبهات أو التشويش أو تداول الإشاعات الفارغة.
وفي معرض دفاعها عن التوجه العام للحكومة، أكدت المنصوري أن التصور الذي تستند إليه السلطة التنفيذية لا يقوم على خدمة فئة على حساب أخرى، بل يهدف إلى تحقيق التوازن والعدالة في توزيع الفرص والثروات، مع رفض أي سياسات تؤدي إلى زيادة غنى الأغنياء وتفاقم أوضاع الفئات الهشة.
وأبرزت أن البرنامج الحكومي لم يُصغ داخل المكاتب المغلقة، ولم يُنجز بالاستعانة بمكتب دراسات أو بالذكاء الاصطناعي، وإنما جاء نتيجة الإنصات للمواطنين والوقوف على انتظاراتهم ومشاكلهم الحقيقية. وأوضحت أن الحكومة استمعت، ضمن هذا المسار، إلى المسنين الذين يعيشون أوضاعاً صعبة، مؤكدة أنها لا تقبل باستمرار معاناتهم، وأن معالجة هذه الأوضاع تستدعي إجراءات عملية تتجاوز الوعود والشعارات.
كما أعلنت المنصوري تمسك حكومتها بخوض إصلاحات وصفتها بالصعبة، وفي مقدمتها إصلاح منظومة التقاعد، إلى جانب العمل على رفع نسبة نشاط النساء إلى 21.2 في المائة، معتبرة أن مواجهة الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية تتطلب قرارات واضحة واستعداداً لتحمل المسؤولية السياسية.
ورداً على الانتقادات التي تستهدف حجم الطموحات الحكومية، أقرت رئيسة الحكومة بأن سقف انتظاراتها مرتفع، قائلة إن البعض يلوم الحكومة عندما تتحدث عن طموح كبير، قبل أن تؤكد أن هذا الطموح ليس جديداً، بل ينسجم مع الرؤية التي يسعى الملك إلى تحقيقها للمغرب منذ 27 سنة. واعتبرت أن المملكة تتوفر على مقومات الاستقرار والموارد البشرية والإمكانات المالية الكافية لرفع التحديات وتحقيق أهداف تنموية أكبر.
وعلى المستوى الاقتصادي، شددت المنصوري على أن حكومتها تراهن على تغيير المسار، من خلال محاربة تضارب المصالح ورفض استغلال النفوذ لتحقيق المكاسب الخاصة. وأكدت دعمها مراجعة نظام التراخيص وتبسيط المساطر الإدارية وتشجيع المقاولات، باعتبارها محركاً أساسياً لخلق فرص الشغل وتحريك عجلة التنمية وبناء مستقبل اقتصادي أكثر قوة.
وفي رسالة واضحة بشأن العلاقة بين السلطة والمصالح الاقتصادية، أكدت رئيسة الحكومة أن الحكومة لن تسمح بإغناء أشخاص لمجرد أنهم مقربون منها، مشددة على أن القرب من المسؤولين لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للحصول على امتيازات أو تحقيق منافع غير مستحقة.
وفي ما يتعلق باستثمار أحد الوزراء داخل بلاده، عبرت المنصوري عن اعتزازها بوجود وزير يختار الاستثمار في المغرب، معتبرة أنه من العيب والعار أن يستغل أي شخص صفته لتحقيق مكاسب خاصة. وأشارت إلى أن الاستثمار المعني يعود إلى سنة 2017، في سياق ردها على الانتقادات المرتبطة بهذا الموضوع.
وبخصوص المسار التشريعي والمالي، أوضحت المنصوري أن المقتضيات الدستورية لا تسمح بمناقشة مشروع قانون المالية قبل تنصيب البرلمان، مشيرة إلى أن ما جرى في هذه المرحلة اقتصر على إيداع المشروع لدى المؤسسة التشريعية. وأكدت أن الحكومة لا تريد إهدار سنة مالية، بل تسعى إلى الشروع في تنفيذ التزاماتها منذ السنة الأولى من ولايتها، بدل تأجيل الوعود إلى مراحل لاحقة.
كما حرصت رئيسة الحكومة على التمييز بين التصريح الحكومي والبرنامج الحكومي ومشروع قانون المالية، موضحة أن الوثيقة التي عرضتها الحكومة تمثل تصريحاً بشأن توجهاتها ونواياها، في بداية الولاية، وليس برنامجاً حكومياً أو مشروع قانون مالية. وأضافت أن الحكومة جاءت، وفق تعبيرها، بإجراءات فعالة وبتصورات تستند إلى تمويل حقيقي، في إشارة إلى رغبتها في تقديم التزامات قابلة للتنفيذ.
وفي دفاعها عن هوية الأغلبية الحكومية، أكدت المنصوري أن الحكومة ذات طبيعة سياسية، وتضم مناضلين ينتمون إلى الأحزاب المشكلة لها، راكموا تجارب ومسارات سياسية طويلة. واعتبرت أن ما يجمع مكونات التحالف هو روح النضال والمرجعيات المشتركة، مشيرة إلى أن مرجعية حزب الأصالة والمعاصرة تستند إلى الإنصاف والمصالحة وتقرير الخمسينية، ومؤكدة أن أحزاب الأغلبية تتبنى الخيار الديمقراطي.
وختمت المنصوري موقفها بالتشديد على أن الديمقراطية ليست مجرد شعار ترفعه الحكومة، بل خيار سياسي يتعين ترجمته إلى ممارسات ملموسة تستجيب لانتظارات المواطنين. وأوضحت أن الحملة الانتخابية عكست حجم هذه الانتظارات، مؤكدة أن الحكومة لن تتراجع عن المسار الديمقراطي، وأن رفع نسبة المشاركة الانتخابية فوق عتبة 38 في المائة يظل رهيناً، بحسب قولها، بترسيخ الأخلاق في الممارسة السياسية واستعادة ثقة المواطنين في الفاعلين والمؤسسات.
21/10/2026