في واقعة جديدة تكشف خطورة توظيف الذكاء الاصطناعي في صناعة الأخبار الزائفة وتوجيه الرأي العام، اجتاحت صورة صادمة مواقع التواصل الاجتماعي في فرنسا، زُعم أنها توثق تعرض زوجين مسنين، في الثمانينيات من العمر، للاعتداء والسرقة والتجريد من ملابسهما خلال احتجاجات 17 أكتوبر الجاري، قبل أن تكشف تحقيقات صحفية مؤشرات قوية على أن الصورة مولدة أو معدلة بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي، فيما لم تثبت التحقيقات المتاحة وقوع الحادثة بالصورة التي رُوّجت بها.
الصورة، التي تظهر رجلا وامرأة مسنين بملابس داخلية في الشارع، محاطين بأشخاص يرتدون ملابس سوداء، تحولت خلال ساعات إلى مادة مثيرة للجدل، بعدما انتشر منشور على منصة “إكس” يوم 18 أكتوبر، يصفها بأنها من أبشع مشاهد أحداث اليوم السابق، مدعيا أن الزوجين تعرضا للتجريد من ممتلكاتهما وتركهما شبه عاريين في الشارع.
وسرعان ما حصد المنشور أكثر من ستة ملايين مشاهدة، وأثار موجة واسعة من الغضب والاستنكار، خصوصا بعدما جرى تداوله في سياق اتهامات مرتبطة بأعمال الشغب والاحتجاجات التي شهدتها البلاد. وهكذا تحولت صورة لم يُتحقق من صحتها إلى مادة جاهزة لتأجيج المشاعر، وتقديم رواية صادمة على أنها حقيقة ثابتة.
وبحسب ما أوردته إذاعة “فرانس إنفو”، فإن الحساب الذي نشر الصورة، والموجود مقره في إسرائيل، اعتاد نشر محتوى ينتقد حزب “فرنسا الأبية” اليساري والناشطين المؤيدين للفلسطينيين. وقد أرفق الصورة بتعليق اعتبر فيه أنها ينبغي أن تشكل جرس إنذار للغرب بأسره، من دون تقديم مصدر موثوق أو أدلة مستقلة تثبت صحة المشهد الذي تعرضه.
وفي الوقت الذي تحدثت فيه منشورات إعلامية عن زوجين مسنين اتصلا بخدمات الطوارئ للإبلاغ عن تعرضهما للسرقة خلال أعمال الشغب، لم تتمكن التحقيقات الصحفية من تأكيد الرواية المرتبطة بالصورة. وأكد مكتب المدعي العام في باريس، يوم 19 أكتوبر، لصحيفة “ليبيراسيون”، أنه لم يتلق معلومات أو بلاغات تؤكد وقوع الحادثة الموصوفة، فيما لم تقدم مديرية شرطة باريس تأكيدا مستقلا بشأنها.
وجاءت الضربة الأقوى لمصداقية الصورة من الفحص التقني والبصري. فقد أشارت أداة “SynthID Detector” التابعة لشركة غوغل، والمتخصصة في رصد المحتوى الذي أُنشئ أو عُدّل باستخدام بعض تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى وجود مؤشرات على تدخل هذه التقنيات في الصورة.
كما رصد صحفيو وحدة التحقق “تشيك نيوز” التابعة لصحيفة “ليبيراسيون” اختلالات بصرية يصعب تجاهلها؛ إذ لا تظهر في يد المرأة المسنة سوى أربعة أصابع، بينما يبدو أحد الأشخاص المقنعين وكأن له رأسين، وتظهر في الخلفية أجزاء جسد غير منطقية، في حين تبدو إحدى الشخصيات في الجانب الأيمن بساق طويلة على نحو لا يتناسب مع وضعية الجسم.
هذه التفاصيل، إلى جانب نتائج الفحص التقني، عززت الشكوك في أن الصورة لا تمثل توثيقا موثوقا لواقعة حقيقية، بل محتوى صُنع أو عُدّل بطريقة تهدف إلى إظهاره كما لو كان مشهدا واقعيا.
ولم تكن هذه الصورة الحالة الوحيدة التي أثارت الجدل خلال الاحتجاجات الفرنسية؛ فقد انتشرت أيضا صور أخرى اتضح أن بعضها مولد بالذكاء الاصطناعي، من بينها مشاهد لشخصية “الفهد الوردي” في مواجهة قوات الأمن، مرة أمام خراطيم المياه ومرة أخرى في وضعية استفزازية تجاه الشرطة.
وقد دخل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على خط الجدل، منتقدا تداول مشاهد وصفها بأنها لم تحدث قط في فرنسا، في إشارة إلى خطورة انتشار صور مضللة يمكن أن تتحول، بفعل سرعة تداولها، إلى وقائع مزعومة يصعب تصحيح أثرها لاحقا.
وتعيد هذه الواقعة طرح سؤال جوهري حول قدرة المجتمعات على التمييز بين التوثيق الحقيقي والمحتوى المصطنع، في زمن باتت فيه صورة واحدة كافية لإشعال الغضب، وتوجيه الاتهامات، وتغذية الانقسامات السياسية والاجتماعية.
ففي الفضاء الرقمي، لم يعد التحدي مقتصرا على انتشار الأخبار الكاذبة، بل أصبح يتمثل أيضا في القدرة على صناعة مشاهد تبدو واقعية للوهلة الأولى، قبل أن تكشف التفاصيل التقنية والبصرية زيفها. وبين سرعة النشر وبطء التحقق، قد تتحول صورة مولدة إلى أداة للتضليل والتعبئة، فيما تظل الحقيقة أول ضحايا السباق المحموم على المشاهدات والتأثير.
22/10/2026