kawalisrif@hotmail.com

الرباط تُشهر أوراقها في وجه مدريد.. المغرب يستعد لإسقاط أوهام التراجع عن مكاسب مرحلة سانشيز وإحباط رهانات التصعيد الإسباني!

الرباط تُشهر أوراقها في وجه مدريد.. المغرب يستعد لإسقاط أوهام التراجع عن مكاسب مرحلة سانشيز وإحباط رهانات التصعيد الإسباني!

في تطور يكشف حجم القلق الذي يعتري بعض الأوساط الإسبانية إزاء التحولات الاستراتيجية في المنطقة، رسمت صحيفة إسبانية سيناريو شديد الحساسية لمستقبل العلاقات بين الرباط ومدريد، واضعة احتمال وصول حكومة إسبانية يقودها الحزب الشعبي بدعم من حزب فوكس أمام مرحلة جديدة قد تنتهي معها سياسة التفاهمات التي طبعت عهد بيدرو سانشيز، وتفتح الباب أمام صراع سياسي ودبلوماسي تتداخل فيه قضية الصحراء المغربية، وسبتة ومليلية المحتلتان، والمصالح البحرية والطاقية، والتحالفات الدولية.

وبحسب الصحيفة الإسبانية، تتابع دوائر مغربية باهتمام سيناريو التحول الحكومي المحتمل في مدريد، وتدرس تداعيات انتقال السلطة إلى تحالف يميني قد يسعى إلى مراجعة التوجهات التي اعتمدتها الحكومة الاشتراكية في ملفات استراتيجية تمس المصالح العليا للمملكة. غير أن ما يلفت الانتباه في هذا الطرح ليس مجرد الحديث عن تغيير حكومي في إسبانيا، بل الإقرار بأن المغرب لم يعد ذلك الطرف الذي يمكن التعامل معه بمنطق الإملاءات، أو افتراض أن مصالحه الاستراتيجية قابلة للمساومة كلما تبدلت موازين القوى داخل المؤسسات الإسبانية.

فالرباط، وفق القراءة التي يقدمها المقال، لا تنظر إلى العلاقات الثنائية باعتبارها سلسلة من التنازلات التي يمكن لأي حكومة جديدة إعادة فتحها وفق حساباتها الانتخابية، وإنما باعتبارها منظومة مصالح وتفاهمات ينبغي التعامل معها بمنطق الاستقرار والاحترام المتبادل. وفي قلب هذه المعادلة تقف الصحراء المغربية، التي أصبحت محددا أساسيا في مسار العلاقات بين البلدين، بعدما أعلنت حكومة سانشيز سنة 2022 دعمها لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية النزاع الإقليمي.

ومن هنا، يحذر المقال من أن أي محاولة إسبانية مقبلة للفصل بين الملفات، عبر تجميد الموقف من الصحراء المغربية مع الاستمرار في مطالبة الرباط بالتعاون الأمني والهجروي بشأن سبتة ومليلية المحتلتين، قد تصطدم برفض مغربي حازم. فالمعادلة التي تحاول بعض الأوساط الإسبانية رسمها، والقائمة على الاستفادة من التعاون المغربي عندما يتعلق الأمر بأمن الحدود والمصالح الإسبانية، مع الاحتفاظ بحرية التراجع عن التفاهمات السياسية كلما تغيرت الحكومة، تبدو أقرب إلى حسابات أحادية الجانب منها إلى شراكة متوازنة بين دولتين تربطهما مصالح استراتيجية متشابكة.

وفي هذا السياق، يضع التقرير احتمال وصول الحزب الشعبي، بقيادة ألبرتو نونييث فييخو، إلى الحكم بدعم من حزب فوكس، باعتباره اختبارا حقيقيا لقدرة مدريد على التعامل مع واقع إقليمي لم تعد فيه الضغوط السياسية وحدها كافية لفرض الوقائع. فالحزب الشعبي، بحسب المقال، يميل إلى نقل جزء من ملف أمن سبتة ومليلية إلى الإطار الأوروبي، من خلال الدفع نحو تعزيز دور وكالة “فرونتكس” لحرس الحدود والسواحل، ومحاولة إضفاء طابع أوروبي أكبر على تدبير الحدود في المدينتين المحتلتين.

لكن هذه المقاربة تطرح سؤالا جوهريا بشأن حدود تدويل الملفات الثنائية، ومدى قدرة مدريد على تحويل الاتحاد الأوروبي إلى أداة ضغط إضافية في مواجهة الرباط. فالمغرب، الذي يعتبر سبتة ومليلية ثغرين مغربيين تحت إدارة الاحتلال الإسباني، لا ينظر إلى أي تحرك يرمي إلى تثبيت الوضع القائم أو إعادة صياغته من دون مراعاة مطالبه باعتباره مجرد إجراء تقني مرتبط بمراقبة الحدود، بل يضعه في سياق أوسع يتصل بمستقبل العلاقة مع إسبانيا وبالملفات العالقة بين الطرفين.

ويذهب المقال إلى أن استمرار إغلاق المعابر الجمركية التجارية قد يتحول إلى عنصر ضغط اقتصادي بالغ التأثير في حال اندفعت مدريد نحو خيارات تصعيدية. غير أن هذه الفرضية تظل جزءا من السيناريو الذي يطرحه الكاتب، ولا تعني أن الرباط أعلنت قرارا جديدا في هذا الاتجاه. ومع ذلك، فإن استحضار هذه الورقة يكشف حجم الترابط بين الملفات الحدودية والتجارية والسياسية، ويبرز أن أي محاولة لتصعيد المواجهة من جانب واحد قد تترتب عليها تكاليف تتجاوز الحسابات الانتخابية الضيقة.

وفي المقابل، تبدو مواقف حزب فوكس أكثر اندفاعا نحو التصعيد، خصوصا في ما يتعلق بالملفات البحرية والدفاعية. فالحزب، بقيادة سانتياغو أباسكال، يدعو، بحسب التقرير، إلى استخدام أدوات الضغط العسكري والاقتصادي لمواجهة ما يعتبره تمددا مغربيا في المناطق البحرية محل الخلاف، كما يطالب بمراجعة التراخيص المرتبطة باستكشاف المحروقات في المحيط الأطلسي، ويدفع نحو دور أكثر مباشرة للبحرية الإسبانية في مواجهة السفن العاملة بموجب تراخيص مغربية.

وهنا تحديدا تتجلى خطورة الخطاب الذي يحاول تحويل الخلافات القانونية والسياسية إلى مواجهة ميدانية مفتوحة. فالتلويح باعتراض السفن أو فرض الأمر الواقع بالقوة لا يلغي تعقيدات القانون الدولي، ولا يحسم تلقائيا النزاعات المتعلقة بترسيم المجالات البحرية والاختصاصات الاقتصادية، بل قد يفتح الباب أمام أزمة متعددة الأطراف، تتداخل فيها مصالح الشركات الدولية والدول التي ترتبط معها بعقود واتفاقيات اقتصادية.

ويشير التقرير إلى أن المغرب عزز خلال السنوات الأخيرة قدراته الدفاعية، مستفيدا من تنويع شركائه العسكريين والتكنولوجيين، في وقت تكتسب فيه القاعدة البحرية بالقصر الصغير أهمية استراتيجية بالنظر إلى موقعها قرب مضيق جبل طارق. كما يستحضر الكاتب منظومة الدفاع الجوي الصينية بعيدة المدى “FD-2000B”، التي يربط نشرها في سيدي يحيى الغرب بتعزيز قدرات الردع المغربية.

وتكشف هذه المعطيات، في نظر الكاتب، عن تحول نوعي في الحسابات العسكرية الإقليمية، إذ لم يعد من الممكن بناء السياسات تجاه المغرب على افتراض تفوق أحادي الجانب أو القدرة على إخضاعه بمجرد التلويح بالقوة. فالمملكة تعمل على تنويع مصادر تسليحها وتطوير قدراتها الدفاعية، بالتوازي مع تعزيز علاقاتها الدولية، بما يمنحها هامشا أوسع للتحرك ويحمي مصالحها الاستراتيجية في محيط إقليمي شديد الحساسية.

وعلى الجبهة الأطلسية، يكتسب ملف التنقيب عن المحروقات أهمية إضافية في ظل التداخل بين المصالح الاقتصادية والحسابات السيادية. ويشير المقال إلى عقود مرتبطة بشركات دولية، من بينها الإيطالية “إيني”، والقطرية “قطر للطاقة”، والإسرائيلية “نيو ميد إنرجي”، معتبرا أن تعدد الأطراف المعنية بهذه المشاريع يمنح المغرب شبكة من المصالح الاقتصادية والدبلوماسية التي قد تجعل أي تصعيد إسباني أكثر تعقيدا.

فإذا تحولت هذه الملفات إلى ساحة مواجهة سياسية أو بحرية، فلن تبقى المسألة محصورة بين الرباط ومدريد، بل ستتأثر بها مصالح شركات دولية وعواصم ترتبط بعلاقات اقتصادية واستراتيجية مع أطراف المنطقة. ومع ذلك، فإن وجود عقود استثمارية لا يحسم وحده الوضع القانوني للمناطق البحرية المتنازع عليها، كما أن مسألة السيادة والاختصاصات البحرية تظل خاضعة للأطر القانونية ذات الصلة، بعيدا عن لغة التحدي والاستعراض.

وفي هذا الإطار، يحذر التقرير من أن دعوات فوكس إلى اعتراض السفن العاملة بموجب تراخيص مغربية قد تضع إسبانيا أمام مواجهة دبلوماسية معقدة، خصوصا إذا مست تلك التحركات مصالح شركات ودول أخرى. وهو ما يجعل التصعيد البحري خيارا محفوفا بالمخاطر، لا سيما عندما يتحول الخلاف السياسي إلى احتكاك ميداني قد يصعب احتواء تداعياته.

أما الرهان الأكثر حساسية فيتعلق بموقف إسبانيا من الصحراء المغربية في حال تغيرت الحكومة. إذ يطرح المقال احتمال سعي مدريد إلى مراجعة موقفها الحالي والعودة إلى ما يصفه بالحياد الأممي، في محاولة لإعادة ترتيب علاقاتها مع الجزائر وضمان إمدادات الطاقة. ويزعم الكاتب أن الرباط تراهن، في مواجهة هذا الاحتمال، على متانة شراكتها مع واشنطن وعلى موقعها داخل منظومة التعاون الأمني في منطقة الساحل.

ويستحضر التقرير العلاقات العسكرية بين المغرب والولايات المتحدة، ودور القيادة الأمريكية في إفريقيا “أفريكوم”، إلى جانب مناورات “الأسد الإفريقي” التي تشكل إحدى أبرز محطات التعاون العسكري بين البلدين. كما يشير إلى شركات أمريكية متخصصة في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا المتقدمة، من بينها “لوكهيد مارتن” و”أندوريل”، في سياق التطورات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي العسكري والحرب الإلكترونية.

ويحاول الكاتب تقديم هذه الشراكة باعتبارها أحد العوامل التي قد تحد من قدرة أي حكومة إسبانية مقبلة على قلب التوجهات الدولية بشأن الصحراء المغربية. غير أن استمرار المواقف الدولية يظل مرتبطا بالتطورات الدبلوماسية والسياسية، ولا يمكن اختزاله في عامل واحد أو اعتباره نتيجة محسومة سلفا. ومع ذلك، فإن تنامي علاقات المغرب مع شركائه الدوليين يمنحه أوراقا إضافية للدفاع عن مصالحه، ويجعل أي محاولة لعزله أو ممارسة الضغط عليه أكثر تعقيدا.

وفي قلب المشهد الإسباني، يبرز الانقسام بين الحزب الشعبي وفوكس بشأن الوسائل التي ينبغي اعتمادها في مواجهة المغرب. فالأول يفضل، وفق الوثيقة التي يستند إليها المقال، تحصين الموقف الإسباني عبر المؤسسات الأوروبية والمسارات القانونية، بينما يدفع الثاني نحو القطيعة مع النموذج الحالي للعلاقات، وتعليق معاهدة حسن الجوار، وفرض رسوم جمركية واسعة على المنتجات المغربية، إلى جانب التلويح باستخدام البحرية الإسبانية في المناطق البحرية محل الخلاف.

ويرى الحزب الشعبي أن المواجهة المباشرة من دون غطاء أوروبي قد تؤدي إلى عزلة دبلوماسية إسبانية، وتضر بالمصالح الاقتصادية والطاقية للبلاد، بل قد تفتح الباب أمام توتر أمني طويل الأمد في المحيط الأطلسي. أما فوكس، فيتهم منافسه بالتردد وإضاعة الوقت، معتبرا أن استمرار النهج الحالي يمنح المغرب مساحة أكبر لترسيخ مصالحه وتوسيع حضوره الاستراتيجي.

وهكذا، لا يقتصر الخلاف بين الحزبين على اختلاف في النبرة أو الخطاب الانتخابي، بل يمتد إلى تصورين متباينين لموقع إسبانيا في محيطها الجنوبي: تصور يفضل توظيف المؤسسات الأوروبية والقانون والدبلوماسية، وآخر يراهن على الضغط المباشر والتهديد العسكري والاقتصادي. لكن كليهما، وفق ما يعرضه المقال، ينطلق من رغبة في إعادة تقييم العلاقة مع المغرب، وهو ما يجعل احتمال تشكيل حكومة ائتلافية بينهما مصدر قلق لدى الأوساط التي تخشى انتقال الخلافات القائمة إلى مرحلة أكثر حدة.

ومع ذلك، فإن أي حكومة إسبانية مقبلة ستجد نفسها أمام شبكة من المصالح المتبادلة التي لا يمكن إلغاؤها بقرار سياسي سريع. فالتعاون الأمني والاقتصادي، والروابط التجارية، والملفات المرتبطة بالهجرة والطاقة، كلها عناصر تجعل التصعيد الشامل خيارا مكلفا للطرفين، وتفرض على مدريد حساب النتائج قبل الانجراف وراء الشعارات الانتخابية.

والأهم أن المغرب ليس ملزما بالتعامل مع كل تحول حكومي إسباني باعتباره مناسبة لإعادة التفاوض على ثوابته الاستراتيجية. فموقف المملكة من الصحراء المغربية يستند إلى مبادرة الحكم الذاتي وإلى مسار دبلوماسي متواصل، فيما تظل قضية سبتة ومليلية جزءا من الملفات التاريخية والسياسية العالقة بين البلدين. وأي محاولة للجمع بين المطالبة بالتعاون المغربي والتراجع عن التفاهمات القائمة ستضع مصداقية السياسة الإسبانية نفسها أمام اختبار صعب.

وفي نهاية المطاف، فإن الرسالة الأبرز التي يعكسها هذا التقرير، بصرف النظر عن المبالغة التي قد تشوب بعض تقديراته، تتمثل في أن العلاقات المغربية الإسبانية دخلت مرحلة لم يعد فيها الضغط الأحادي أو التلويح بالتصعيد كافيا لفرض النتائج. فالرباط تمتلك أوراقا دبلوماسية واقتصادية وأمنية متعددة، كما أن موقعها الجغرافي وشراكاتها الدولية يمنحانها وزنا لا يمكن تجاهله في حسابات مدريد.

وبين حسابات الحزب الشعبي المتوجسة من كلفة المواجهة، وخطاب فوكس المندفع نحو التصعيد، تبدو إسبانيا أمام معادلة دقيقة: إما الحفاظ على علاقة تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام، أو المخاطرة بفتح جبهات سياسية واقتصادية وأمنية متزامنة في محيطها الجنوبي. أما المغرب، فلن يكون مضطرا إلى تحويل ثوابته الاستراتيجية إلى مادة للمساومة كلما تغيرت موازين الحكم في مدريد، ولن يكون من السهل دفعه إلى التراجع عن خياراته عبر لغة التهديد أو استعراض القوة.

يا لها من عبقرية سياسية خارقة في بعض أروقة مدريد، حيث يبدو أن تغيير الحكومة كفيل، في نظر أصحاب الأوهام الإمبراطورية، بإعادة ضبط المغرب على مقاس نزواتهم، وكأن المملكة قطعة شطرنج تنتظر إشارة من قصر المونكلوا كي تتحرك!

لكن الصدمة التي قد لا يستوعبها هؤلاء أن الانتخابات تغيّر الحكومات ولا تغيّر الجغرافيا، وأن صناديق الاقتراع لا تمنح أحدا صكّ الوصاية على المغرب، ولا تحوّل الابتزاز إلى استراتيجية، ولا التهديد إلى قوة.

فليجرّب الحزب الشعبي وفوكس، إن وصلا إلى الحكم، وصفاتهما القديمة في سياسة الاستعلاء، وليكتشفا أن المغرب ليس ذلك الطرف الذي يُستدعى إلى الطاولة لتلقّي الأوامر، بل دولة ذات سيادة ومصالح استراتيجية وأوراق قوة تعرف متى وكيف تستخدمها.

أما أحلام إخضاع الرباط بالضجيج العسكري والمناورات السياسية، فمكانها الطبيعي أرشيف الأوهام الاستعمارية؛ هناك، حيث تتكدس خرائط انتهى زمنها، وتبقى الحقيقة وحدها ساخرة من كل من يظن أن بإمكانه إخضاع الجغرافيا بالصراخ، أو تطويع المغرب بمجرد تبديل لافتة الحكومة!

23/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts