يتجه المغرب إلى تعزيز قدراته الصاروخية من خلال صفقة أمريكية مرتقبة لاقتناء 18 راجمة صواريخ من طراز HIMARS، في خطوة تندرج ضمن مسار تحديث القوات المسلحة الملكية وتنويع مصادر تسليحها، بينما تواجه إسبانيا صعوبات في استكمال برنامج SILAM الذي أُطلق لتعويض راجمات تيرويل التي أخرجتها من الخدمة سنة 2011.
وتكشف هذه المفارقة عن اختلاف في مسار تحديث القدرات الصاروخية لدى البلدين؛ ففي الوقت الذي يسعى فيه المغرب إلى إضافة منظومة أمريكية متطورة إلى ترسانته القائمة، لا يزال المشروع الإسباني يواجه تحديات تقنية وصناعية وسياسية أخرت تحقيق الهدف المعلن منه، والمتمثل في استعادة قدرة إطلاق الصواريخ التي فقدها الجيش الإسباني قبل سنوات.
وبحسب المعطيات الواردة بشأن الصفقة الأمريكية، وافقت واشنطن في أبريل 2023 على بيع المغرب 18 راجمة HIMARS، إلى جانب 40 صاروخا تكتيكيا من طراز ATACMS و72 صاروخا موجها، بقيمة إجمالية معلنة تبلغ 524 مليون دولار. ويظل التمييز ضروريا بين الموافقة على الصفقة والتسليم الفعلي للمعدات، إذ إن الاقتناء المرتقب لا يعني بالضرورة دخول المنظومة إلى الخدمة حتى استكمال مراحل التنفيذ والتسليم.
وتكتسب هذه الصفقة أهميتها من كونها تأتي في سياق تحديث أوسع للقدرات العسكرية المغربية، لا سيما أن المملكة تتوفر، وفق المعطيات المتداولة، على راجمات صواريخ صينية من طراز PHL-03 بعيار 300 ملم، فضلا عن أنظمة صاروخية أخرى، من بينها WS-2D. ومن شأن إضافة HIMARS، في حال استكمال الصفقة، أن توسع الخيارات العملياتية المتاحة أمام القوات المسلحة الملكية، وتمنحها إمكانية الاستفادة من منظومة أمريكية تعتمد على الذخائر الدقيقة وتعدد أنواع الصواريخ.
في المقابل، تواجه إسبانيا تحديا يتعلق ببرنامج SILAM، الذي أُعلن عنه باعتباره مشروعا لتعويض راجمات تيرويل القديمة واستعادة قدرات المدفعية الصاروخية. ففي أواخر عام 2023، منحت وزارة الدفاع الإسبانية عقدا بقيمة 576.5 مليون يورو لتحالف يضم إسكريبانيو ميكانيكال آند إنجينيرينغ وراينميتال إكسبال مونيشنز، ضمن برنامج كان يستهدف توفير 12 راجمة ونحو 680 صاروخا موجها، بمدى يصل إلى 300 كيلومتر وفق المواصفات المعلنة.
غير أن مسار المشروع تعقد بسبب ارتباط تصميمه بتكنولوجيا نظام PULS الإسرائيلي، في ظل القيود التي فرضتها الحكومة الإسبانية على التعاون العسكري المرتبط بإسرائيل. وأدى ذلك إلى إعادة فتح النقاش حول البدائل الممكنة، بما يطرح تساؤلات بشأن الجدول الزمني لتنفيذ البرنامج، وقدرة الصناعة الدفاعية الإسبانية على تقديم حل يلبي احتياجات الجيش في الآجال المطلوبة.
ويعود أصل هذا الفراغ في القدرات الصاروخية الإسبانية إلى سنة 2011، عندما أخرج الجيش الإسباني 14 راجمة من طراز تيرويل من الخدمة، من دون أن يتمكن حتى الآن، وفق المعطيات الواردة، من استكمال الانتقال إلى المنظومة البديلة بالسرعة التي كان يتطلع إليها. وكانت هذه الراجمة قادرة على إطلاق ما يصل إلى 40 صاروخا بمدى يقارب 25 كيلومترا، وهو ما يجعل تأخر البديل قضية تتجاوز تحديث المعدات إلى ضمان استمرارية القدرات العملياتية.
وقد أعادت الحرب في أوكرانيا تسليط الضوء على الأهمية المتزايدة للمدفعية الصاروخية والذخائر الدقيقة بعيدة المدى، بالنظر إلى دورها في استهداف مواقع القيادة والإمداد ومستودعات الذخيرة والمنظومات العسكرية. وأصبح امتلاك هذه القدرات، إلى جانب وسائل الاستطلاع وتحديد الأهداف، عنصرا أساسيا في حسابات التحديث العسكري لدى عدد من الدول الأوروبية.
وتجد مدريد نفسها أمام عدة خيارات لتجاوز تعثر SILAM. يتمثل الأول في مواصلة تطوير حل صناعي وطني، وهو مسار قد يمنح إسبانيا هامشا أكبر من الاستقلالية التقنية، لكنه يتطلب تجاوز العقبات المرتبطة بالتطوير والاختبارات والتصنيع. أما الخيار الثاني، فيتمثل في دراسة منظومات جاهزة، من بينها HIMARS الأمريكية، مع ما يرافق ذلك من اعتبارات تتعلق بالتكلفة والتوافق العملياتي والاعتماد على سلاسل الإمداد والذخائر الأمريكية.
ويبرز كذلك خيار EuroPULS الأوروبي، الذي يرتبط بالتعاون الصناعي بين ألمانيا وشركاء أوروبيين، غير أن اختيار أي منظومة بديلة يظل رهينا بالمواصفات التقنية وشروط التعاقد والقيود المرتبطة بمصادر التكنولوجيا. ولذلك، فإن حسم الملف الإسباني لا يتعلق بمجرد تحديد اسم الراجمة، بل بقدرة المؤسسات المعنية على تحويل الخطط والاعتمادات المالية إلى معدات جاهزة للاستخدام.
وفي هذا السياق، تكتسب الخطوة المغربية أهمية خاصة، بالنظر إلى توجه المملكة نحو تنويع شراكاتها الدفاعية والاستفادة من أنظمة تسليح مختلفة. فاقتناء HIMARS، إذا اكتملت مراحله، لن يكون بداية امتلاك المغرب للقدرات الصاروخية، بل إضافة جديدة إلى ترسانة موجودة، من شأنها توسيع الخيارات المتاحة أمام القوات المسلحة الملكية وتعزيز تنوع مصادر التسليح.
كما أن الجمع بين منظومات من مصادر مختلفة يطرح متطلبات تتعلق بالتدريب والصيانة وتوفير الذخائر ودمج الأنظمة ضمن منظومة القيادة والسيطرة. ومن ثم، فإن الأثر الفعلي لأي صفقة لا يقاس فقط بعدد الراجامات المعلن عنها أو بمدى الصواريخ، بل كذلك بمدى جاهزية المعدات، وكفاءة الأطقم، واستدامة الإمدادات، والقدرة على توظيفها ضمن منظومة عسكرية متكاملة.
وبالنسبة إلى إسبانيا، فإن استمرار التأخر في برنامج SILAM يطرح أسئلة مشروعة حول التخطيط الصناعي الدفاعي، وكيفية تدبير المخاطر التقنية والسياسية التي قد تؤثر في المشاريع الاستراتيجية. فالعقود والميزانيات تمثل مرحلة أساسية في بناء القدرات، لكنها لا تعوض التسليم الفعلي ولا تضمن وحدها استعادة الإمكانات التي فقدتها القوات المسلحة.
أما المغرب، فيواصل العمل على تحديث قدراته الدفاعية في إطار تنويع مصادر اقتناء المعدات وتطوير الترسانة القائمة. وتمنح الصفقة الأمريكية المرتقبة هذا المسار بعدا إضافيا، مع ضرورة انتظار تأكيد استكمال التسليم ودخول المنظومات إلى الخدمة قبل الحديث عن آثارها العملياتية الفعلية.
وتكشف المقارنة بين المسارين عن حقيقة أساسية في مجال التسلح الحديث: قيمة البرامج العسكرية لا تتحدد بحجم الوعود أو الأموال المرصودة فحسب، وإنما بقدرة الدول على تنفيذ مشاريعها وتحويلها إلى قدرات جاهزة وفعالة. وبين صفقة مغربية مرتقبة لتوسيع الخيارات الصاروخية، وبرنامج إسباني لا يزال يواجه تحديات التنفيذ، يبقى الاختبار الحقيقي مرتبطا بما ستنجح كل دولة في إنجازه على أرض الواقع.
23/10/2026