في تطور علمي مثير يعيد إلى الواجهة أحد أقدم أحلام البشرية، أعلنت شركة أمريكية ناشئة متخصصة في طاقة الاندماج النووي أنها تمكنت من تحويل الزئبق إلى ذهب مستقر، في ادعاء قد يفتح الباب أمام تحولات غير مسبوقة في صناعة المعادن النفيسة، ويثير تساؤلات حول مستقبل الذهب المستخرج من المناجم، إذا نجحت التكنولوجيا مستقبلا في إنتاجه بكميات كبيرة وبتكلفة تنافسية.
وقالت شركة “ماراثون فيوجن”، التي تتخذ من سان فرانسيسكو مقرا لها، إنها حققت هذا الإنجاز خلال الشهر الماضي، مدعية أنها تجاوزت الرقم القياسي الذي سجله المختبر الأوروبي للفيزياء النووية “سيرن” بعشرة أضعاف. غير أن هذا الإعلان، على الرغم من أهميته المحتملة، لا يزال في حاجة إلى تحقق علمي مستقل، كما لم تكشف الشركة عن كمية الذهب التي أنتجتها فعليا أو عن التكلفة الاقتصادية للعملية.
وتعتمد التقنية التي تتحدث عنها الشركة على استخدام النيوترونات الناتجة عن تفاعلات الاندماج النووي لقصف الزئبق، بما يؤدي إلى تحويله إلى نظير غير مستقر يتحلل في نهاية المطاف إلى ذهب. وهي عملية تختلف جذريا عن الطرق التقليدية لاستخراج المعدن الأصفر، وتعيد إلى الأذهان محاولات الكيميائيين القدماء تحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب، لكن هذه المرة باستخدام أدوات الفيزياء النووية والتكنولوجيا المتقدمة.
وكان مختبر “سيرن” قد أعلن، في عام 2025، أن مصادم الهدرونات الكبير أنتج نحو 29 بيكوغراما من الذهب خلال فترة تشغيله بين عامي 2015 و2018. ورغم أن هذه الكمية تمثل عددا هائلا من نوى الذهب على المستوى الذري، فإنها تظل ضئيلة للغاية، كما أن النوى المنتجة لم تعش سوى جزء بالغ القصر من الثانية قبل أن تتدمر داخل أجهزة المصادم، ما يجعل هذا الإنجاز العلمي بعيدا عن أي تطبيق تجاري مباشر.
وتراهن “ماراثون فيوجن” على تطوير تقنيات الاندماج النووي، التي تستهدف مستقبلا إنتاج الكهرباء عبر دمج الذرات، مع الاستفادة من التفاعلات نفسها لإنتاج الذهب. وتقول الشركة إنها تعمل على تطوير مفاعل في سان فرانسيسكو، كما تشير إلى تحقيق تقدم في تقنيات فصل النظائر، غير أن تحويل هذه الوعود إلى صناعة قادرة على إغراق الأسواق بالمعدن الأصفر يظل رهينا بتجاوز عقبات تقنية واقتصادية كبيرة.
وتكمن خطورة هذا السيناريو المحتمل في ما حدث بالفعل داخل سوق الألماس، بعدما أدى انتشار الأحجار المصنعة مخبريا إلى زيادة المعروض وانخفاض الأسعار بصورة حادة. فقد تراجعت أسعار الجملة للألماس المصنع في المختبرات بنحو 90 إلى 95 في المائة مقارنة بمستويات عام 2015، وفق تقديرات محلل القطاع بول زيمنسكي، الأمر الذي فرض ضغوطا قوية على تجارة الألماس الطبيعي، وأجبر شركات كبرى على إعادة النظر في استراتيجياتها التجارية.
لكن نقل هذه التجربة إلى سوق الذهب ليس أمرا بهذه البساطة. فالذهب لا يُستخدم فقط في صناعة المجوهرات، بل يحتل موقعا استراتيجيا ضمن احتياطات البنوك المركزية، ويُنظر إليه باعتباره ملاذا آمنا في أوقات الاضطرابات الاقتصادية والجيوسياسية. كما أن سوقه أوسع بكثير من سوق الألماس، ما يجعل أي تحول في حجم المعروض منه قادرا على التأثير في منظومة مالية واستثمارية عالمية معقدة.
وبحسب الأرقام الواردة في التقرير، بلغ إنتاج مناجم الذهب نحو 3.672 أطنان في عام 2025، فيما يُقدَّر إجمالي الذهب المستخرج عبر التاريخ بنحو 222.600 طن. وفي المقابل، تشير تقديرات بحثية للشركة إلى أن محطة اندماج نووي بقدرة غيغاواط واحد قد تنتج نظريا نحو خمسة أطنان من الذهب سنويا، وهو رقم يفتح الباب أمام سيناريوهات لزيادة المعروض إذا أصبحت هذه المحطات قابلة للتشغيل التجاري.
ووفقا لهذه الفرضية، فإن تشغيل مئة محطة من هذا النوع قد يضيف نحو 500 طن من الذهب سنويا، أي ما يعادل قرابة 14 في المائة من إنتاج المناجم المسجل خلال عام 2025. غير أن هذه الأرقام تظل تقديرات نظرية، خصوصا أن أيا من محطات الاندماج النووي لم يبدأ حتى الآن بيع الكهرباء تجاريا، فيما لا تزال المشاريع الأولى المنتظرة على بعد سنوات من دخول مرحلة التشغيل الفعلي.
وتزداد الصورة تعقيدا بسبب احتمال احتواء الذهب الناتج عن هذه العملية على نظائر مشعة، ما قد يستدعي تخزينه لمدة تصل إلى 18 عاما قبل السماح بتسويقه، بحسب الشركة. كما لا توجد، حتى الآن، خطط معلنة لإنتاج هذا الذهب وتسويقه على نطاق تجاري، وهو ما يجعل الحديث عن انهيار وشيك للأسعار سابقا لأوانه، رغم أن التطور المعلن يثير اهتمام الأسواق والباحثين على حد سواء.
والمفارقة أن الذهب، خلافا للألماس المصنع مخبريا، قد يصبح بعد زوال الإشعاع مطابقا للذهب المستخرج من المناجم، بحيث يصعب عمليا التمييز بينهما من حيث الخصائص الفيزيائية والكيميائية. وإذا تمكنت التكنولوجيا مستقبلا من تجاوز تكاليف الإنتاج والتحديات النووية، فقد تجد الأسواق نفسها أمام معادلة جديدة، لا تعود فيها ندرة المعدن الأصفر مرتبطة بالمناجم وحدها، بل بقدرة الإنسان على إنتاجه داخل المفاعلات.
وحتى يتحول هذا الاحتمال إلى واقع، يبقى الإعلان الأمريكي ادعاء علميا يحتاج إلى تحقق مستقل، وليس دليلا على قرب انهيار سوق الذهب. لكن مجرد فتح هذا الباب العلمي يكفي لإثارة سؤال كبير: هل يظل المعدن الأصفر ملاذا آمنا بفضل ندرته، أم أن ثورة نووية محتملة قد تعيد رسم قواعد اللعبة وتضع تجارة الذهب أمام اختبار تاريخي غير مسبوق؟
23/10/2026