في تحرك جديد يعكس سعي إسبانيا إلى توسيع حضورها العسكري والأمني في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، أشرفت وحدات من قيادة العمليات الخاصة التابعة للجيش البري الإسباني على تدريب عناصر من القوات الخاصة الموريتانية على استخدام الطائرات المسيّرة، ضمن برنامج استمر أربعة أسابيع وشمل تدريبات نهارية وليلية على تقنيات الطيران وتوظيف هذه الأنظمة في مهام الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع. ويبدو أن مدريد، التي تحرص على تقديم تحركاتها الخارجية في ثوب المساهمة في الأمن والاستقرار، اكتشفت مجددا أن الطريق إلى تعزيز نفوذها الإقليمي يمر عبر دورات التدريب العسكري، ولو تعلق الأمر بأربعة أسابيع من التحليق والمحاكاة.
ووفق معطيات أوردتها وسائل إعلام إسبانية، تولت فرق من القوات الخاصة الإسبانية، المعروفة باسم “القبعات الخضراء”، تنفيذ البرنامج التدريبي في نواكشوط وأطار، بمشاركة عسكريين من الكتيبتين الأولى والثانية للقوات الموريتانية المعروفتين باسم “كوماندوز”، وبتنسيق مع القيادة المشتركة للعمليات الخاصة الإسبانية. وهي خطوة تقدمها مدريد باعتبارها تعاونا عسكريا عاديا، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن رغبة واضحة في تثبيت موطئ قدم أوسع في محيط إقليمي تتزايد أهميته في الحسابات الأمنية والاستراتيجية.
وشمل البرنامج دروسا نظرية وتدريبات باستخدام أجهزة محاكاة الطيران، قبل الانتقال إلى التجارب العملية، بهدف تمكين العسكريين الموريتانيين من التحكم في الطائرات المسيّرة ذات الأجنحة الدوارة واستخدامها في ظروف عملياتية مختلفة. ومن أجهزة المحاكاة إلى الطلعات الفعلية، يبدو أن مدريد تراهن على نقل الخبرة التقنية لتعزيز شراكتها مع نواكشوط، في مسعى يتيح لها الجمع بين التدريب العسكري والحضور السياسي والأمني. فالتعاون، في قاموس العلاقات الدولية، لا يقتصر دائما على تبادل الخبرات؛ إذ قد يتحول أيضا إلى وسيلة لبناء النفوذ وتوسيع دوائر التأثير.
ولم تتوقف التدريبات عند المبادئ الأساسية للطيران، بل امتدت إلى طلعات نهارية وليلية، مع الرفع التدريجي من مستوى الصعوبة والاستقلالية في تنفيذ المهام. وتكتسي هذه المهارات أهمية متزايدة في ظل التحولات التي تعرفها الحروب الحديثة، حيث أصبحت المسيّرات أدوات أساسية للمراقبة والاستطلاع وجمع المعلومات الاستخباراتية. غير أن تحويل دورة تدريبية محدودة زمنيا إلى عنوان كبير للنفوذ العسكري يظل أمرا يحتاج إلى كثير من التريث؛ فإتقان تشغيل المسيّرات خطوة تقنية مهمة، لكنه لا يمنح صاحبه تلقائيا موقعا متقدما في معادلات القوة الإقليمية.
وتندرج المبادرة ضمن ما تصفه مدريد بأنشطة الأمن التعاوني مع موريتانيا، والرامية إلى تعزيز قدرات القوات المسلحة وتطوير تبادل الخبرات العسكرية. وبالنسبة إلى إسبانيا، يوفر هذا النوع من البرامج فرصة لتعميق علاقاتها مع دولة تتمتع بموقع جغرافي مهم في منطقة الساحل وغرب إفريقيا. أما بالنسبة إلى موريتانيا، فيمثل التدريب فرصة لاكتساب مهارات إضافية في مجال عسكري تتسارع تطوراته. وبين الطرفين، تبقى المصالح المتبادلة هي العامل الحاسم، بعيدا عن أي محاولة لتقديم التحرك الإسباني باعتباره مبادرة بلا حسابات استراتيجية.
وتحاول مدريد، من خلال هذه الشراكات، تعزيز حضورها في فضاء إقليمي لم يعد حكرا على القوى التقليدية، في وقت تتنافس فيه دول عديدة على بناء علاقات أمنية وعسكرية مع بلدان الساحل وغرب إفريقيا. لكن من المفارقات أن تتحول كل دورة تدريبية إلى مناسبة لإبراز الحضور الإسباني، وكأن النفوذ الإقليمي يُقاس بعدد الطلعات التدريبية لا بمدى استدامة الشراكات وعمق المصالح الاقتصادية والسياسية التي تسندها. وهكذا، تصبح بضعة أسابيع من التدريب مادة جاهزة للحديث عن الطموحات الاستراتيجية، حتى قبل أن تظهر النتائج الفعلية على الأرض.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن هذه التحركات تستحق المتابعة في سياق التنافس على النفوذ في محيطه الإفريقي، من دون تهويل أو التعامل معها كما لو أنها انقلاب في موازين القوى. فالمملكة راكمت خلال السنوات الماضية علاقات إفريقية متعددة المستويات، تقوم على التعاون الاقتصادي والاستثماري والديني والأمني، وتستند إلى روابط جغرافية وتاريخية ومصالح ممتدة. لذلك، فإن توسيع إسبانيا برامجها التدريبية جنوبا لا يعني، في حد ذاته، أنها حققت اختراقا استراتيجيا يغيّر موقع المغرب أو يحد من حضوره في القارة.
والأكثر إثارة للانتباه أن مدريد تتحدث عن تعزيز الأمن الإقليمي، بينما تكشف خطواتها عن حرص موازٍ على تثبيت موقعها داخل شبكة الشراكات العسكرية في المنطقة. وهذا أمر مشروع في حسابات الدول، لكنه لا يعفي من التساؤل عن حدود الطموح الإسباني، خصوصا عندما يجري تسويق تحركات اعتيادية باعتبارها مؤشرات على تحول استراتيجي كبير. فالحضور العسكري لا يُقاس بمجرد تنظيم التدريبات أو نقل الخبرات، بل بقدرة الشراكات على الاستمرار وتحقيق نتائج ملموسة تتجاوز الصور الرسمية والبيانات الدبلوماسية.
في المحصلة، تدرب إسبانيا كوماندوز موريتانيا على المسيّرات، وتبحث عن توسيع حضورها جنوبا، فيما يبقى الاختبار الحقيقي في ما ستنتجه هذه الشراكة على أرض الواقع. أما المغرب، فلا يحتاج إلى التعامل مع كل تحرك إسباني في محيطه باعتباره إنذارا استراتيجيا؛ فالتنافس الإقليمي لا يُحسم بضجيج العناوين ولا بعدد أسابيع التدريب، بل بوزن الشراكات ومتانة المصالح والقدرة على تحويل الحضور إلى نتائج ملموسة. وإذا كانت مدريد تراهن على أربعة أسابيع من التدريب لتعزيز موقعها، فإن النفوذ في إفريقيا، لحسن حظ الجغرافيا وسوء حظ الشعارات، يحتاج إلى ما هو أكثر من تشغيل مسيّرة وإعادتها إلى نقطة الإقلاع.
22/10/2026