في مشهد يتجاوز حدود المستطيل الأخضر، تحولت أضواء حفل الكرة الذهبية لعام 2026 إلى مناسبة لإعادة تسليط الضوء على ملف يحرج النظام الجزائري أمام الرأي العام الدولي، بعدما خصص منظمو الحفل مبادرة تضامنية للصحافي الفرنسي كريستوف غليز، المعتقل في الجزائر والمحكوم بسبع سنوات سجناً، في قضية أثارت انتقادات واسعة بشأن واقع حرية الصحافة في البلاد.
وبينما اجتمع كبار نجوم كرة القدم للاحتفاء بالإنجازات الرياضية، حضرت قضية غليز لتذكّر بأن وراء بريق الملاعب ملفات حقوقية لا يمكن تجاهلها، وأن المكانة الدولية للرياضة قد تتحول إلى وسيلة لإيصال رسائل قوية بشأن الحريات وحقوق الإنسان. فقد أعلن مقدما الحفل، تيري هنري وكيت سكوت، إهداء المناسبة للصحافي الفرنسي، مع التعبير عن الأمل في عودته إلى أسرته وعمله، كما أشارا إلى مباراة تضامنية تعتزم منظمة «مراسلون بلا حدود» تنظيمها يوم 11 نونبر المقبل.
تعود القضية إلى 28 ماي 2024، حين أوقف كريستوف غليز بمدينة تيزي وزو أثناء إعداده تقريراً عن نادي شبيبة القبائل، قبل أن يجد نفسه أمام متابعة قضائية انتهت بالحكم عليه بالسجن سبع سنوات بتهمة «الإشادة بالإرهاب»، وهو الحكم الذي جرى تأييده استئنافياً.
وهنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: كيف يمكن لصحافي جاء لإنجاز مهمة مهنية مرتبطة بكرة القدم أن ينتهي به المطاف خلف القضبان بعقوبة ثقيلة إلى هذا الحد؟ إن خطورة الحكم وتداعياته تفرضان نقاشاً جدياً حول التناسب بين الأفعال المنسوبة إلى الصحافي والعقوبة الصادرة في حقه، فضلاً عن ضرورة ضمان المحاكمة العادلة وحماية حرية العمل الصحافي.
إن التعامل مع مثل هذه الملفات بمنطق العقوبات القاسية، متى أثارت الوقائع مخاوف بشأن حرية التعبير، يضع السلطات الجزائرية أمام مسؤولية تقديم توضيحات مقنعة للرأي العام، بدل ترك القضية تتحول إلى عنوان دائم للانتقادات الدولية.
إن تخصيص مساحة لقضية غليز خلال مناسبة رياضية عالمية يكشف أن الملف لم يعد محصوراً داخل المحاكم الجزائرية، بل أصبح جزءاً من نقاش دولي أوسع بشأن أوضاع الصحافيين والحريات الإعلامية. فحين تتدخل شخصيات رياضية معروفة للتذكير بمصير صحافي معتقل، فإن ذلك يعكس اتساع دائرة الاهتمام بالقضية، ويجعل من الصعب التعامل معها باعتبارها شأناً داخلياً لا يعني أحداً خارج الجزائر.
والانتقاد الموجه إلى السلطات الجزائرية هنا لا يتعلق بمجرد اختلاف في وجهات النظر، بل يتمحور حول أسئلة أساسية: هل تتوفر الضمانات الكافية للصحافيين كي يؤدوا عملهم بحرية؟ وهل تظل العقوبات القضائية متناسبة مع الأفعال المنسوبة إلى المتابعين؟ وهل تحظى قضايا حرية التعبير بالقدر اللازم من الشفافية والنقاش العام؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تكون بالشعارات، بل بإجراءات ملموسة تضمن استقلال القضاء، وتحمي الصحافيين من التضييق غير المبرر، وتصون حق المجتمع في الوصول إلى المعلومات.
ولم يقتصر التضامن مع غليز على الأوساط الصحافية والحقوقية، إذ ارتبط اسمه أيضاً بمبادرات رمزية في المجال الرياضي، من بينها ما أوردته تقارير بشأن اعتماد رمزي لتغطية كأس العالم 2026 ومقعد شاغر يحمل اسمه، في إشارة إلى استمرار المطالبة بحضور قضيته رغم غيابه عن ممارسة عمله.
وهكذا، تحولت قضية الصحافي الفرنسي إلى مصدر إحراج سياسي وإعلامي للسلطات الجزائرية، بعدما انتقلت من سياق قضائي محلي إلى منصة عالمية يتابعها ملايين الأشخاص. فبدلاً من أن تظل تفاصيل الملف محصورة في التقارير المتخصصة، أصبحت مناسبة رياضية كبرى فرصة لإعادة طرح الأسئلة حول مصيره والظروف التي أدت إلى سجنه.
إن الصورة التي تسعى أي دولة إلى تقديمها عن نفسها لا تُبنى فقط عبر الخطابات الرسمية والفعاليات الدولية، بل تتشكل أيضاً من طريقة تعاملها مع الصحافيين والمنتقدين، ومدى احترامها للحقوق الأساسية. ومن هذا المنطلق، فإن استمرار قضية غليز دون معالجة تزيل المخاوف المرتبطة بحرية الصحافة يترك السلطات الجزائرية في مواجهة انتقادات يصعب إسكاتها بمجرد تجاهلها.
**الكرة الذهبية لم تحجب القضية.. بل أعادتها إلى الواجهة**
لقد منحت المبادرة التضامنية خلال حفل الكرة الذهبية قضية كريستوف غليز حضوراً إضافياً، ووجهت رسالة مفادها أن مصير الصحافيين لا ينبغي أن يختفي خلف الأضواء أو أن يُطوى بالنسيان.
أما النظام الجزائري، فهو مطالب اليوم بتقديم إجابات واضحة بشأن هذه القضية، ومراجعة ما يثيره الحكم من تساؤلات حقوقية، بما يضمن احترام المعايير الأساسية للمحاكمة العادلة وحرية الصحافة.
فالدول لا تُقاس بقوة خطابها السياسي، بل بمدى قدرتها على حماية الحقوق والحريات عندما تصبح موضع اختبار. وقضية غليز تضع السلطات الجزائرية أمام هذا الاختبار بكل ثقله، فيما يظل التضامن الدولي معه تذكيراً بأن حرية الصحافة ليست امتيازاً تمنحه الحكومات متى شاءت، بل حق أساسي لا ينبغي أن يتحول إلى سبب للسجن.
27/10/2026