kawalisrif@hotmail.com

المغرب يزحف نحو عرش الصناعات الدفاعية.. إسبانيا تحصي أمتار معارضها والرباط تستعد لنقل المعركة إلى البحر

المغرب يزحف نحو عرش الصناعات الدفاعية.. إسبانيا تحصي أمتار معارضها والرباط تستعد لنقل المعركة إلى البحر

في الوقت الذي تتباهى فيه إسبانيا بتوسيع معرضها الدولي للدفاع والأمن “FEINDEF” بنسبة 46 في المائة، تتحرك المملكة المغربية بخطوات محسوبة لتوسيع نفوذها في سوق الصناعات العسكرية، واضعة نصب أعينها الانتقال من استيراد الأسلحة إلى تصنيعها، ومن استضافة عروض الطيران إلى بناء منظومة دفاعية قادرة على استقطاب التكنولوجيا والاستثمارات والشركات الدولية. وبينما تنشغل مدريد بالاحتفاء بأرقام المساحات والأجنحة، تتصاعد في الأوساط الدفاعية الإسبانية مخاوف من أن تتحول مراكش إلى منصة إفريقية ودولية تنافس إسبانيا في مجال ظلت تعتبره امتداداً طبيعياً لنفوذها الاستراتيجي.

وبحسب تقرير إعلامي إسباني، فإن المغرب يدرس توسيع معرض مراكش للطيران ليشمل المجال البحري، مع طرح إمكانية نقل بعض فعالياته إلى الساحل، سواء في محيط القصر الصغير بإقليم الفحص أنجرة أو في الدار البيضاء، في خطوة من شأنها تعزيز جاذبية المعرض وربطه مباشرة بمشاريع تطوير الصناعة الدفاعية المغربية. ويعكس هذا التوجه، وفق المعطيات الواردة في التقرير، قلقاً إسبانياً من قدرة الرباط على التقدم نحو مجال جديد، في وقت لا تزال فيه مشاريع إسبانية مماثلة حبيسة التصورات والنقاشات.

واللافت في الخطاب الإعلامي الإسباني أن نجاح المغرب لم يعد يُقدَّم باعتباره مجرد تطور عادي في تنظيم المعارض، بل تحول إلى مصدر قلق بشأن احتمال فقدان إسبانيا جزءاً من بريقها الصناعي والاستراتيجي. فالمملكة لا تنافس فقط على استقطاب العارضين والوفود العسكرية، وإنما تسعى إلى توظيف هذه التظاهرات بوصفها أداة لجذب الاستثمارات، وتوطين الصناعات، وفتح الطريق أمام نقل التكنولوجيا، وهي رهانات تتجاوز بكثير عدد الأمتار المربعة التي تحتلها الأجنحة داخل مراكز المعارض.

وفي المقابل، يستعد معرض “FEINDEF” لتنظيم دورته المقبلة في مدريد بين 18 و20 ماي 2027، على مساحة تبلغ 89,100 متر مربع، بزيادة قدرها 46 في المائة مقارنة بدورة 2025، مع تسجيل مشاركة أكثر من 746 شركة عارضة، وحجز 94 في المائة من المساحة التجارية المتاحة قبل سبعة أشهر من الافتتاح. وهي أرقام تؤكد تطور المعرض الإسباني، لكنها لا تبدد، بحسب التقرير، المخاوف المرتبطة بضعف التخصص في بعض المجالات، وغياب ميادين اختبار واسعة تسمح بعروض عملياتية حقيقية، فضلاً عن محدودية الحضور النسبي للقطاعين البحري والجوي الفضائي.

ومن هنا تبرز المفارقة: إسبانيا تمتلك شركات صناعية كبرى مثل “إيرباص” و”نافانتيا”، وقواعد عسكرية وبحرية ذات أهمية استراتيجية، لكنها لا تزال تناقش كيفية استثمار هذه المؤهلات في معارض متخصصة موازية لمعرض مدريد. أما المغرب، فيتحرك انطلاقاً من موقع مختلف، مستفيداً من معرض مراكش للطيران ومن شبكة شراكاته الدفاعية، مع السعي إلى تحويل الفعاليات الدولية إلى رافعة لتوسيع قاعدته الصناعية والتكنولوجية.

ويشير التقرير إلى أن أوساطاً إسبانية كانت تدرس تنظيم معرض جوي بحري متخصص في خليج قادس ومحيط قاعدة روتا، على أن يشكل مكملاً لمعرض مدريد خلال السنوات الزوجية. وكان من المفترض أن يتيح هذا المشروع تقديم عروض ميدانية مشتركة، وإبراز قدرات الصناعات البحرية والجوية، والاستفادة من وجود منشآت “نافانتيا” و”إيرباص” وقاعدة روتا. غير أن المشروع، رغم تعدد التصورات والأسماء المقترحة له، لم يتجاوز مرحلة الأفكار، في وقت تتحدث فيه المعطيات الواردة في التقرير عن تحركات مغربية لتوسيع نطاق معرض مراكش.

وهنا تحديداً تكمن نقطة الضعف التي يسلط التقرير الضوء عليها: ليس في افتقار إسبانيا إلى الإمكانات، بل في الفجوة بين ما تمتلكه من بنية صناعية وعسكرية وما تنجح في تحويله إلى مشاريع عملية. فوجود أحواض بناء السفن والقواعد العسكرية والشركات الكبرى لا يكفي وحده لضمان الريادة، ما لم يُترجم إلى استثمارات وشراكات ومعارض قادرة على إنتاج قيمة اقتصادية وتكنولوجية مستدامة.

أما المغرب، فيعمل على بناء قاعدته الصناعية الدفاعية عبر مسار تدريجي يركز على استقطاب الاستثمار الأجنبي، وتطوير الصيانة والإصلاح محلياً، وتصنيع المكونات بموجب تراخيص، وتوسيع فرص نقل التكنولوجيا. وتستند هذه الاستراتيجية إلى شراكات مع الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل، فضلاً عن علاقات مع دول الخليج، في إطار توجه يرمي إلى تقليص الاعتماد الكامل على استيراد المعدات الجاهزة، وتعزيز القدرات المحلية في مجالات مرتبطة بالدفاع.

ويضع التقرير القانون رقم 10-20 المتعلق بعتاد وتجهيزات الدفاع والأمن والأسلحة والذخائر ضمن الإطار التنظيمي لهذا التوجه، إلى جانب إحداث مناطق مخصصة لتسريع الاستثمار الصناعي العسكري في النواصر وسيدي يحيى. كما يشير إلى تعاون شركات دولية مع المغرب في مجالات الصيانة والطيران والطائرات المسيّرة، معتبراً أن هذه الشراكات تفتح المجال أمام توسيع قاعدة التصنيع المحلي، وإن كانت وتيرة نقل التكنولوجيا وحجم الإنتاج الفعلي يظلان مرتبطين بطبيعة العقود والاستثمارات المنجزة.

وتتجلى أهمية هذا المسار في أن المغرب لا يتعامل مع معرض مراكش للطيران باعتباره واجهة استعراضية فحسب، بل باعتباره فرصة لتجميع الشركات والمستثمرين وصناع القرار حول مشروع صناعي أوسع. فالمعرض الناجح لا يقتصر أثره على الطائرات التي تحلق فوق مدرجاته، وإنما يمتد إلى العقود التي تُوقَّع، والاستثمارات التي تُستقطب، ومراكز الصيانة التي تُنشأ، والخبرات التي تنتقل، وفرص الشغل التي يمكن أن تترتب عن ذلك.

وإذا نجحت الرباط في توسيع المعرض نحو المجال البحري، فإنها ستضيف حلقة جديدة إلى استراتيجيتها الرامية إلى ترسيخ موقع المغرب بوصفه منصة صناعية ولوجستية تربط أوروبا بإفريقيا، وتستفيد من موقعه عند ملتقى المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط. كما أن الجمع بين المعارض الجوية والبحرية قد يمنح المملكة فرصة لاستقطاب شركات لا تقتصر اهتماماتها على الطيران، بل تشمل أنظمة المراقبة والاتصالات والدفاع البحري والطائرات المسيّرة والتكنولوجيات العسكرية الحديثة.

وفي المقابل، لا يخفي التقرير الإسباني نبرة القلق من احتمال أن يملأ المغرب فراغاً لم تنجح إسبانيا في استثماره، رغم امتلاكها مؤهلات صناعية وعسكرية مهمة. وهي نبرة تكشف أن المنافسة لم تعد محصورة في الصفقات العسكرية أو أعداد الطائرات والمعدات، بل أصبحت تشمل أيضاً القدرة على بناء منظومة متكاملة تستقطب التكنولوجيا ورؤوس الأموال والشركات الدولية.

وبذلك، يبدو أن الرهان المغربي يتجاوز تنظيم معرض ناجح في مراكش؛ إنه رهان على تحويل الحضور الدولي إلى نفوذ صناعي وتكنولوجي، وعلى جعل المملكة شريكاً في الإنتاج والصيانة والتطوير، لا مجرد سوق لاقتناء الأسلحة. أما إسبانيا، فستجد نفسها أمام اختبار حقيقي: هل ستكتفي بتوسيع مساحة معرضها والاحتفاء بأرقام المشاركة، أم ستنجح في تحويل مشاريعها المؤجلة إلى واقع قبل أن تتقدم الرباط خطوة أخرى؟

ففي سباق الصناعات الدفاعية، لا تُحسم الريادة بالتصريحات ولا بعدد الأجنحة، وإنما بمن ينجح في جذب المصانع، وتوطين التكنولوجيا، وبناء شراكات طويلة الأمد. وبينما لا يزال المشروع الإسباني المقترح ينتظر الانتقال من الورق إلى التنفيذ، يراهن المغرب على أن تكون مراكش بوابة مرحلة جديدة، يصبح فيها تنظيم المعارض وسيلة لبناء الصناعة، وتتحول فيها الجغرافيا إلى فرصة استراتيجية، والطموح إلى استثمارات وقدرات ملموسة.

27/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts