وزعت الولايات المتحدة الأمريكية، بصفتها حاملة القلم في ملف الصحراء المغربية داخل مجلس الأمن الدولي، نسخة منقحة من مشروع قرارها بشأن النزاع، عقب انتهاء المهلة التي منحتها لأعضاء المجلس، والمحددة في عشرة أيام ابتداء من 16 أكتوبر الجاري، لتقديم ملاحظاتهم ومقترحاتهم بشأن الصيغة الأولية.
وتحمل النسخة الجديدة مؤشرات على استمرار واشنطن في الدفع نحو إعادة ضبط الإطار السياسي للمفاوضات، مع الإبقاء على المرتكزات الأساسية للمشروع، وفي مقدمتها تعزيز موقع مقترح الحكم الذاتي المغربي تحت السيادة المغربية، واستحضار القرار الأممي رقم 2797 الصادر سنة 2025، باعتباره مرجعا في مواصلة الجهود الرامية إلى التوصل إلى تسوية سياسية للنزاع.
ولا تقتصر أهمية المسودة المنقحة على اللغة الدبلوماسية المستخدمة في توصيف الحل المقترح، بل تمتد إلى مستقبل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، وطبيعة مهامها خلال المرحلة المقبلة، فضلا عن آليات مراقبة وقف إطلاق النار، وتوسيع المشاورات السياسية، والتعامل مع الأوضاع الإنسانية في مخيمات تندوف.
تتمثل النقطة السياسية الأبرز في النسخة المنقحة في استمرار اعتماد المقترح المغربي أساسا للمفاوضات، مع الإبقاء على الإشارة إلى مبدأ تقرير المصير، وهو ما يعكس محاولة للجمع بين تثبيت المرجعية التفاوضية التي يدفع بها المغرب والحفاظ على اللغة الأممية المرتبطة بالتسوية النهائية.
وتكمن أهمية هذه الصياغة في أنها لا تجعل الحكم الذاتي مجرد مقترح مطروح ضمن مجموعة خيارات متوازية، بل تجعله الإطار الذي ينبغي أن تنطلق منه المناقشات، وفقا لما أورده النص المنقح. غير أن ذلك لا يعني أن جميع الأطراف وافقت على تفاصيل المقترح المغربي، أو أن التسوية النهائية قد حُسمت بالفعل.
وتشير القراءة المنشورة للنسخة الجديدة إلى أن واشنطن تراجعت عن تحديد موعد مسبق لإنهاء عمليات حفظ السلام التابعة للمينورسو، مع الإبقاء على تغيير اسم البعثة وحذف الإشارة إلى الاستفتاء من تسميتها.
من أبرز التعديلات التي تستحق الانتباه تمديد ولاية البعثة الأممية إلى غاية 31 أكتوبر 2027، مع تغيير اسمها ابتداء من فاتح نونبر 2026 إلى «بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية»، المعروفة اختصارا بالفرنسية باسم MINUSO، بدلا من MINURSO التي تتضمن تسميتها الحالية الإشارة إلى تنظيم الاستفتاء.
ويمثل هذا التغيير تحولا رمزيا ومؤسساتيا في طريقة تقديم المهمة الأممية، لكنه لا يكفي وحده للاستنتاج بأن جميع وظائفها السابقة ستنتهي أو أن ولايتها ستتحول تلقائيا إلى مهمة سياسية خالصة.
وتبرز أهمية النسخة المنقحة هنا في أنها لا تتمسك بالجدول الزمني الصارم الذي ورد في المشروع الأولي لإنهاء مكون حفظ السلام في 30 أبريل 2027، بل تترك الباب مفتوحا أمام مجلس الأمن للبت في مستقبل البعثة بناء على مقترحات الأمين العام والتقدم المحرز في العملية السياسية.
تطلب المسودة من الأمين العام تقديم مقترحات مفصلة، في موعد أقصاه 30 يناير 2027، بشأن الهيكل التنظيمي للبعثة، وموظفيها ومواردها، بما يشمل إمكان تقليص عدد الأفراد النظاميين المأذون بهم، وإغلاق بعض مواقع الفرق أو دمجها، ومراجعة آليات مراقبة وقف إطلاق النار والإجراءات المتعلقة بالألغام ودعم العملية السياسية.
كما تفتح المجال أمام إعادة استخدام هياكل الدعم اللوجستي والإداري القائمة، في إطار مراجعة شاملة للاحتياجات الميدانية.
وتعني هذه المقتضيات أن النقاش لا يدور حول اسم البعثة فقط، بل يشمل أيضا كلفة عملياتها، وحجم حضورها الميداني، وطبيعة المهام التي ستعطى لها في المرحلة المقبلة.
وفي المقابل، فإن الحفاظ على استمرارية القيادة العليا والخبرة المؤسسية يشير إلى رغبة في تفادي إحداث قطيعة إدارية مفاجئة، حتى إذا انتهى مجلس الأمن إلى اعتماد تغييرات واسعة في بنية المهمة أو أولوياتها.
على المستوى الإنساني، تعبر المسودة عن القلق من استمرار النزوح وتدهور الظروف المعيشية في مخيمات تندوف، وتؤكد أن الوضع القائم لا يمكن أن يستمر بصورة مسؤولة.
كما تدعو إلى توجيه التمويل الدولي نحو حلول فردية وطوعية ودائمة، تنفذ وفقا للقانون الدولي وتحت إشراف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
وتكتسب هذه النقطة أهمية لأنها تربط المساعدات الإنسانية بالحاجة إلى حلول مستدامة، دون أن تجعل استمرار التمويل بديلا عن معالجة أوضاع اللاجئين.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الدعوة إلى تحسين ظروف اللاجئين والبحث عن حلول دائمة، وبين أي استنتاج بشأن أعدادهم أو وضعهم القانوني؛ فهذه المسائل تتطلب معطيات موثقة وإجراءات أممية مستقلة.
تدعو المسودة ستافان دي ميستورا إلى توسيع مشاوراته لتشمل مختلف الفئات والمحاورين الصحراويين، بمن فيهم غير المشاركين مباشرة في المفاوضات، سواء داخل الإقليم أو في مخيمات اللاجئين أو ضمن الجالية الصحراوية بالخارج.
ويعكس هذا التوجه رغبة في توسيع دائرة الاستماع السياسي، مع مطالبة الأمين العام بعكس نتائج هذه المشاورات في تقاريره.
لكن توسيع دائرة المشاورات لا يعني بالضرورة تغيير الأطراف الرسمية للمفاوضات، كما لا يحسم مسبقا كيفية تمثيل مختلف الفئات أو مدى تأثير مواقفها على نتائج المسار السياسي.
تظهر النسخة المنقحة، بحسب النص المتداول، أن الولايات المتحدة تحافظ على مقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أساس المفاوضات، لكنها تعدل بعض المقتضيات المتعلقة بمستقبل المينورسو، خصوصا التخلي عن تحديد موعد مسبق لإنهاء مكون حفظ السلام، مع الإبقاء على تغيير اسم البعثة وتمديد ولايتها إلى أكتوبر 2027.
وتبرز كذلك ثلاثة ملفات مترابطة: مراجعة الهيكلة والموارد، وتوسيع المشاورات السياسية، ومعالجة الأوضاع الإنسانية في مخيمات تندوف.
أما النقطة الحاسمة، فهي أن المشروع المنقح لا ينبغي قراءته باعتباره قرارا نهائيا، بل باعتباره وثيقة تفاوضية تعكس الصيغة التي تدفع بها واشنطن. وتبقى قيمة التعديلات رهينة بما سيعتمده مجلس الأمن فعليا، وبالطريقة التي ستترجم بها المقتضيات النهائية إلى إجراءات سياسية وميدانية.
27/10/2026