فجّرت التصريحات التي أدلى بها وزير النقل الإسباني أوسكار بوينتي بشأن حادث اصطدام قطارين فائقي السرعة على خط مدريد–إشبيلية معطيات جديدة حول ملابسات الكارثة، بعدما وجّه المسؤولية نحو طريقة تدبير حركة القطارات من داخل مركز التحكم التابع لشركة «أديف»، المكلفة بالبنية التحتية للسكك الحديدية، في وقت خلّف فيه الحادث ما لا يقل عن 70 قتيلاً بالقرب من بلدة أوردا بإقليم طليطلة، وفق الحصيلة الواردة في المعطيات المقدمة.
وخلال ندوة صحفية عقدها بمركز المراقبة المركزي بمحطة أتوتشا في العاصمة مدريد، أوضح بوينتي أن التحقيق الأولي في تسلسل الأحداث يطرح تساؤلات جدية بشأن قرار السماح لأحد القطارات باستئناف رحلته بصورة عادية، رغم وجود قطار آخر متوقف على المسار نفسه وعلى مسافة لا تتجاوز 25 كيلومتراً.
وبحسب الرواية التي قدمها الوزير، فإن المراقب المناوب داخل مركز التحكم أعطى الضوء الأخضر لقطار «AVE» للعودة إلى السير بسرعته المعتادة، عوض التقيد بإجراءات السلامة التي تفرض السير بسرعة لا تتجاوز 40 كيلومتراً في الساعة عند العمل وفق نظام الرؤية المباشرة، وهو ما اعتبره بوينتي قراراً غير مبرر في ظل الظروف التي كانت قائمة آنذاك.
عطل تقني أوقف القطارات.. لكن الخطر ظهر مع استئناف الحركة
وفي محاولة لتفسير بداية الحادث، كشف وزير النقل أن خللاً معلوماتياً أدى إلى توقف نظام الإشارات «ZLB»، المعتمد على خط مدريد–إشبيلية منذ افتتاحه سنة 1992. وأوضح أن هذا النوع من الأعطال، وإن لم يكن متكرراً، يظل وارداً من الناحية التقنية.
غير أن الوزير شدد على أن النظام تصرف وفق وظيفته الوقائية، إذ أدى العطل إلى إيقاف حركة القطارات داخل مقطع سككي يمتد على نحو 63 كيلومتراً، وكانت ستة قطارات تمر عبره لحظة وقوع الخلل.
واعتبر بوينتي أن مجرد سقوط نظام الإشارات لا يفسر وحده وقوع الاصطدام، موضحاً أن إجراءات السلامة ومركز التحكم يفترض أن يتوليا تدبير الوضع الاستثنائي إلى حين استعادة النظام عمله بصورة طبيعية.
وقال الوزير، في معرض حديثه عن الحادث، إن اصطدام قطار بآخر من الخلف داخل شبكة السكك الحديدية أمر يصعب تفسيره، مضيفاً أن الخلل المعلوماتي كان من الممكن أن يقع، لكن جوهر القضية يتمثل في القرارات التي اتخذت بعد توقف النظام.
23 دقيقة وضعت قرارات المراقبة تحت المجهر
ووفق التسلسل الزمني الذي عرضه المسؤول الإسباني، انتقلت إدارة حركة القطارات إلى النمط اليدوي بعد مرور ست دقائق على العطل، تحت إشراف مركز التحكم التابع لـ«أديف» بمحطة أتوتشا.
وفي هذه المرحلة، صدرت تعليمات إلى سائقي القطارات الستة المتوقفة لاستئناف السير. لكن الطريقة التي عولج بها وضع قطار «AVE» المنكوب أصبحت محوراً أساسياً في تصريحات الوزير، الذي أكد أن السماح له بالتحرك بالسرعة العادية لم يكن متوافقاً، بحسب تقديره، مع مقتضيات السلامة المعمول بها.
وأوضح أن القطار كان مطالباً بالبقاء في حالة توقف إلى حين تلقي تعليمات تسمح له بالتحرك وفق الشروط المناسبة، خصوصاً أن المسار أمامه لم يكن خالياً، وأن قطار شركة «Iryo» كان متوقفاً عند مدخل محطة أوردا، في منطقة كانت فيها إشارة حمراء تمنع المرور.
وبذلك، فإن استئناف السير دون الالتزام بالقيود المفروضة في مثل هذه الحالات وضع قرار مركز التحكم في صلب التساؤلات المتعلقة بكيفية وقوع الاصطدام.
أما قطار «Iryo»، فقد أشار الوزير إلى أن المعطيات الأولية تفيد بأنه تلقى بدوره تعليمات باستئناف الحركة بعدما كان قطار «AVE» قد انطلق بالفعل، غير أنه ظل متوقفاً لأسباب لم تتضح بعد، ولم تقدم الشركة المشغلة، وفق التصريحات ذاتها، تفسيراً بشأنها حتى الآن.
تسجيلات صوتية تكشف تفاصيل مثيرة داخل مركز التحكم
ومن بين المعطيات التي كشف عنها بوينتي، وجود تسجيلات صوتية لمحادثات جرت بين المراقب المناوب وسائقي القطارات الستة التي توقفت بسبب العطل، وهي تسجيلات أظهرت، بحسب روايته، أن تعليمات السير بالسرعة العادية لم تقتصر على قطار «AVE»، بل وُجهت أيضاً إلى قطارات أخرى.
والأكثر إثارة في هذه المعطيات أن أحد السائقين تدخل لتصحيح التعليمات، منبهاً المراقب إلى أن الوضع يقتضي السير وفق مبدأ الرؤية المباشرة، وبسرعة لا تتجاوز 40 كيلومتراً في الساعة، قبل أن يرد المراقب بما يفيد موافقته على التصحيح.
وأمام هذه التفاصيل، طرح وزير النقل تساؤلات بشأن عدم تصحيح التعليمات المتعلقة بقطار «AVE» خلال المسافة التي قطعها، والتي بلغت نحو 25 كيلومتراً قبل الاصطدام.
واعتبر بوينتي أن الفترة التي سبقت الحادث كانت تتيح، من حيث المبدأ، فرصة لمراجعة القرار وتدارك الخطأ، مشيراً إلى أن مسؤولية السماح باستئناف حركة القطارات في غياب نظام الإشارات تعود إلى مركز التحكم والموظفين المكلفين بتدبير الوضع.
وأكد أن قرار إعادة الحركة اتُّخذ في ظروف لم يجد، بحسب تعبيره، تفسيراً مقنعاً لها، رغم أن القطارات كانت متوقفة ولم تكن هناك حالة طوارئ تفرض تجاوز إجراءات السلامة.
المراقب يخضع للاستماع وسط احتمال تبعات جنائية
وفي ما يتعلق بالمراقب المعني، أوضح بوينتي أنه موظف ذو خبرة مهنية، وكان برفقته مساعد داخل مركز التحكم لحظة وقوع الحادث.
وأضاف أن المعني بالأمر لا يزال بالمركز رفقة محاميه، بالنظر إلى احتمال ترتب تبعات جنائية خطيرة عن القرارات التي اتخذها، كما أكد أن عناصر الحرس المدني استمعت إليه في إطار إفادة أولية خلال اليوم نفسه.
وتظل هذه المعطيات مرتبطة بالرواية الأولية التي قدمها وزير النقل، في انتظار ما ستكشف عنه التحقيقات بشأن المسؤوليات الدقيقة وظروف اتخاذ القرارات التي سبقت الاصطدام.
نظام إشارات قديم يدخل مرحلة الاستبدال
وبالتوازي مع حديثه عن القرارات التي أعقبت العطل، دافع بوينتي عن نظام الإشارات «ZLB»، معتبراً أنه نظام خضع للاستخدام لسنوات طويلة وأثبت فعاليته في أداء وظيفته.
وأوضح أن التوجه نحو استبداله لا يعود، بحسب قوله، إلى اعتباره نظاماً سيئاً، وإنما إلى توقف تصنيعه وعدم توفر قطع غياره، ضمن برنامج تحديث خط مدريد–إشبيلية والانتقال إلى نظام «ERTMS» الأوروبي الأحدث، المستخدم في خطوط أخرى للسرعة العالية بإسبانيا.
وشدد الوزير على أن الأعطال التقنية تظل ممكنة حتى في الأنظمة المعتمدة، غير أن التعامل معها يخضع لتعليمات وإجراءات محددة، ويقع على عاتق مركز التحكم ضمان احترامها.
وبينما تتواصل التحقيقات لتحديد المسؤوليات المرتبطة بهذه الكارثة، تتركز الأسئلة الأساسية حول كيفية انتقال حركة القطارات من التوقف الوقائي إلى الاستئناف، ومدى احترام التعليمات المنظمة للسير في ظل تعطل نظام الإشارات، وما إذا كانت القرارات المتخذة خلال تلك الفترة قد ساهمت في وقوع الاصطدام المميت.
28/10/2026