kawalisrif@hotmail.com

الحسيمة :   توازن مجالي مع وقف التنفيذ … غرفة التجارة والصناعة والخدمات بجهة الشمال:   أين نصيب الإقليم من كعكة المشاريع؟

الحسيمة : توازن مجالي مع وقف التنفيذ … غرفة التجارة والصناعة والخدمات بجهة الشمال: أين نصيب الإقليم من كعكة المشاريع؟

يشكل إقليم الحسيمة قطباً استراتيجياً واعداً على الساحل المتوسطي للمملكة، غير أن إدماجه الإداري والمهني ضمن جهة طنجة-تطوان-الحسيمة لا يزال يثير نقاشاً واسعاً بشأن مدى احترام مبدأ التوازن والإنصاف في توزيع البرامج والمشاريع المهنية والاقتصادية التي تشرف عليها غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة طنجة-تطوان-الحسيمة.

وبين مركزية التدبير بمدينة طنجة والتحديات السوسيو-اقتصادية التي يواجهها الإقليم على أرض الواقع، تبرز تساؤلات حول الفجوة بين الأهداف المعلنة للتنمية الجهوية ومتطلبات النسيج الاقتصادي المحلي بالحسيمة، ومدى قدرة المؤسسة المهنية على إطلاق مشاريع مهيكلة تستجيب لانتظارات المقاولات والمهنيين بالإقليم، في ظل الدينامية الترافعية التي يشهدها تدبير الشأن المهني داخل أجهزة الغرفة.

— مركزية التدبير مقابل محدودية أدوار الملحقة

من الناحية التنظيمية، تتخذ الغرفة الجهوية من مدينة طنجة مقراً رئيسياً لها، حيث تتركز البنية الإدارية الأساسية، إلى جانب آليات التدبير ولجان التوجيه المالي والاقتصادي. وفي المقابل، تعبر فعاليات مهنية بالإقليم عن تخوفها من أن تظل ملحقة الحسيمة محصورة في تقديم خدمات إدارية روتينية، من قبيل التصديق على وثائق المنشأ التجاري، وتسليم البطاقات المهنية وشواهد الانخراط، دون الارتقاء بأدوارها إلى مستوى مواكبة التحولات الاقتصادية والاستثمارية التي يحتاجها الإقليم.

فالنسيج المقاولاتي المحلي، بحسب هذه المطالب، لا يحتاج فقط إلى خدمات إدارية أساسية، بل يتطلع إلى بنية مهنية قادرة على مواكبة الاستثمارات الميدانية، وتقديم الدعم والتوجيه للمقاولات، والمساهمة في استقطاب المشاريع، وتوفير آليات فعالة لتطوير المبادرات الاقتصادية المحلية.

— خارطة المشاريع.. أين تتجه الميزانيات؟

يكشف رصد الحصيلة المالية والتدبيرية للغرفة، وفق المعطيات التي يثيرها النقاش المهني بالإقليم، عن تفاوت في تمركز المشاريع ذات القيمة المضافة العالية، وهو ما يطرح تساؤلات حول حصة الحسيمة من الاستثمارات والبنيات المهنية التي توفرها المؤسسة على مستوى الجهة.

“طنجة وتطوان.. نصيب أكبر من البنيات المهنية والتعليمية”

تستفيد مدينتا طنجة وتطوان من حضور بارز للبنيات التحتية المهنية والتعليمية التابعة للغرفة، ومن أبرزها مركز الأعمال بكزناية في طنجة، والمعهد التخصصي المتوسطي للتدبير (ISMT) بتطوان، فضلاً عن حاضنات المقاولات الناشئة وفضاءات المقاولة المتمركزة أساساً في الأقطاب الحضرية الرئيسية.

وتطرح هذه المعطيات تساؤلاً حول مدى استفادة باقي أقاليم الجهة، وفي مقدمتها الحسيمة، من مشاريع مماثلة من شأنها تعزيز التكوين المهني والاقتصادي، وتحفيز المبادرة المقاولاتية، وتوفير شروط أفضل لاستقطاب الاستثمارات.

“إقليم الحسيمة.. مبادرات محدودة وانتظارات متزايدة”

في المقابل، تظل المبادرات المباشرة الممولة من الميزانية الخاصة للغرفة بإقليم الحسيمة، وفق ما يطرحه هذا النقاش، محصورة في تنظيم دورات تكوينية محدودة أو لقاءات تواصلية موسمية، دون أن ترقى، بحسب تطلعات عدد من المهنيين، إلى مستوى المشاريع المهيكلة ذات الأثر الاقتصادي المستدام.

ورغم الأثر الإيجابي للمشاريع التي يشرف عليها مجلس الجهة بشكل عام، فإن مساهمة الغرفة باعتبارها شريكاً مهنياً يفترض أن يواكب المقاولات والأنشطة الاقتصادية تظل، وفق هذه الانتظارات، دون المستوى المأمول من طرف الفاعلين الاقتصاديين بالإقليم.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل تستفيد الحسيمة من حصة منصفة من المشاريع المهنية والاقتصادية التي تطلقها الغرفة الجهوية، أم أن مركزية التدبير تجعل الأقطاب الكبرى تستحوذ على النصيب الأوفر من البنيات والاستثمارات؟

— معركة العدالة المجالية ورهان الرقمنة

تؤكد النقاشات المرتبطة بالتنمية الاقتصادية الجهوية، خلال أكتوبر 2026، أن تحقيق العدالة المجالية بين أقاليم جهة طنجة-تطوان-الحسيمة الثمانية يشكل أحد أبرز التحديات المطروحة أمام المؤسسات الجهوية والمهنية. وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدور الذي يضطلع به المنتخبون وممثلو إقليم الحسيمة داخل أجهزة الغرفة، باعتبارهم مطالبين بالدفاع عن مصالح المهنيين والمقاولات المحلية، والعمل على ضمان حضور الإقليم في البرامج والمشاريع المقررة على المستوى الجهوي.

ويقود الأعضاء الفاعلون من الإقليم مساراً ترافعياً يروم تغيير أساليب العمل التقليدية، والدفع نحو اعتماد مناهج علمية ورقمية واضحة لتطوير الحكامة داخل ملحقة الغرفة بالحسيمة.

ولا يقتصر هذا التوجه على تحديث الإدارة، بل يتطلع أيضاً إلى توظيف التقنيات الحديثة، بما فيها الذكاء الاصطناعي والآليات الرقمية، لتعزيز القدرات التنافسية للمقاولات المحلية، وتمكينها من الاستفادة من الخدمات المهنية عن بُعد، بما يحد من آثار العزلة الجغرافية ويسهم في تحقيق ما يمكن وصفه بالسيادة الرقمية للمقاولات بالإقليم.

ويفترض هذا التحول أن يتيح للمهنيين والمقاولين الشباب الولوج إلى خدمات المواكبة والتوجيه والتكوين بصورة أكثر مرونة، وأن يوفر لهم أدوات حديثة لتطوير مشاريعهم، دون أن تشكل المسافة الجغرافية أو محدودية الخدمات المحلية عائقاً أمام طموحاتهم الاستثمارية.

— عقلنة النقاش ومواجهة الأغلبية العددية

إلى جانب الرهان الرقمي، يبذل ممثلو الحسيمة جهوداً داخل دورات الغرفة للدفع نحو نقاش مؤسساتي عقلاني، يبتعد عن منطق الزبونية والمحسوبية والحسابات الضيقة، ويرتكز أساساً على السياسات العمومية والمؤشرات السوسيو-اقتصادية الدقيقة التي تعكس واقع الإقليم واحتياجاته التنموية.

ويطالب هؤلاء الأعضاء بتوفير معطيات واضحة ومفصلة بشأن الميزانيات المخصصة حصرياً لإقليم الحسيمة، مع نشر كشوفات دقيقة حول المشاريع المبرمجة والمنجزة، وحجم الاعتمادات المالية المرصودة لها، ومدى انعكاسها على النسيج الاقتصادي المحلي، بما يضمن الشفافية ويتيح تقييم حصيلة المؤسسة على أساس الأرقام والنتائج الملموسة.

غير أن هذا المسار الترافعي يصطدم، وفق ما يطرحه النقاش داخل أجهزة الغرفة، بإشكالية التفاوت العددي في الأصوات داخل الجمع العام، حيث تتمتع أقطاب طنجة وتطوان بوزن تصويتي أكبر، وهو ما قد يجعل تمرير بعض المقترحات والمشاريع الموجهة إلى الحسيمة رهيناً بتحقيق توافقات داخل المؤسسة.

وتؤدي هذه الوضعية، بحسب مراقبين، إلى إبطاء تنزيل بعض الأفكار والمشاريع التحديثية المقترحة لفائدة الإقليم، كما تزيد من صعوبة انتزاع مشاريع كبرى قادرة على إحداث أثر مباشر في جلب الاستثمارات وتحريك الدورة الاقتصادية المحلية.

ويعيد هذا الواقع إلى الواجهة إشكالية التوازن بين التمثيلية العددية داخل المؤسسات الجهوية ومبدأ الإنصاف في توزيع المشاريع والموارد، إذ لا ينبغي أن تتحول الأغلبية التصويتية إلى عامل يحد من قدرة الأقاليم الأقل تمثيلية على الاستفادة من فرص التنمية الاقتصادية والمهنية.

— توصيات وخارطة طريق لتجاوز الفجوة المجالية

أمام هذه الإشكالات الهيكلية، يقترح خبراء الاقتصاد وفاعلون مهنيون مجموعة من الحلول العملية لتجاوز محدودية الآليات التقليدية للتدبير، وإرساء مقاربة أكثر إنصافاً في توزيع المشاريع والموارد، بما يضمن لإقليم الحسيمة موقعاً يتناسب مع مؤهلاته الاقتصادية وانتظارات مهنييه.

1. إقرار حكامة قائمة على التمييز الإيجابي

يقترح هذا التوجه تخصيص حصة مالية محددة ومستقلة، وفق الضوابط القانونية والتنظيمية المعمول بها، ضمن الميزانية السنوية للغرفة، توجه حصرياً إلى إقليم الحسيمة، مع اعتماد معايير موضوعية لتحديد حجمها، تأخذ بعين الاعتبار الهشاشة الجغرافية والتحديات الديموغرافية والاقتصادية التي تواجه الإقليم.

ويهدف هذا المقترح إلى تجاوز ترك توزيع الاعتمادات خاضعاً لمنطق الأغلبية العددية والتصويتية لمدينتي طنجة وتطوان، وضمان استفادة أكثر توازناً لمختلف أقاليم الجهة من المشاريع والبنيات المهنية.

2. ربط البحث الأكاديمي بالفرص الاستثمارية**

تقتضي هذه المقاربة تفعيل شراكات علمية وعملية بين ملحقة الغرفة بالحسيمة والمؤسسات الجامعية الموجودة بالإقليم، من أجل إعداد ملفات استثمارية متكاملة تستند إلى دراسات علمية دقيقة، وتستثمر المؤهلات المحلية في مجالات الاقتصاد الأزرق، والسياحة الإيكولوجية، والصناعات الغذائية.

ومن شأن هذه الشراكات أن تتيح إعداد مشاريع قابلة للتنفيذ، مدعومة بمعطيات اقتصادية ودراسات جدوى، وتقديمها مباشرة إلى المستثمرين الوطنيين والدوليين، بما يساهم في توسيع فرص الاستثمار بالإقليم وتقليص الاعتماد على المساطر البيروقراطية المرتبطة بمركزية التدبير.

3. الاستثمار في البنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي

يدعو هذا المقترح إلى تسريع تحويل ملحقة الحسيمة إلى قطب رقمي مستقل، يوفر منصات ذكية لتأسيس المقاولات ومواكبتها عن بُعد، ويسهل الولوج إلى الخدمات المهنية والإدارية، مع توظيف إمكانات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة في تحسين جودة المواكبة وتطوير الأداء المقاولاتي.

ويروم هذا التوجه تمكين شباب الإقليم من تجاوز آثار العزلة الجغرافية، وإطلاق مقاولات تكنولوجية قادرة على استهداف الأسواق الخارجية والتصدير، بالاستفادة من الكفاءات الهندسية المحلية والمؤهلات البشرية المتاحة.

4. تأسيس مجلس للتواصل مع المقاولات الناشئة**

يقترح الفاعلون إحداث آلية تنسيق مباشرة تحت مسمى «مجلس تواصل المقاولات الناشئة»، تجمع ملحقة الغرفة بالحسيمة والمركز الجهوي للاستثمار بالحسيمة (CRI) والمجلس الإقليمي، بهدف تحسين التنسيق بين المؤسسات المعنية بمواكبة الاستثمار والمقاولات.

ويمكن لهذه الآلية أن تسهم في تجاوز بطء بعض المسارات التدبيرية، وتعبئة تمويلات إضافية للمشاريع الكبرى، من خلال الاستفادة من صناديق الدعم الوطنية وبرامج التعاون الدولي، بما يتيح توسيع قاعدة التمويل المتاحة أمام المبادرات الاقتصادية المحلية.

5. توحيد الجبهة الترافعية لممثلي الإقليم**

يشكل توحيد المواقف بين منتخبي إقليم الحسيمة داخل الغرفة أحد المقترحات المطروحة لتعزيز القدرة على الدفاع عن مصالح المهنيين المحليين، من خلال تجاوز الحسابات السياسية الضيقة وتأسيس كتلة ترافعية موحدة تستند إلى مطالب واضحة وتقارير صادرة عن لجان تقنية متخصصة.

ومن شأن هذا التوجه أن يمنح مطالب الإقليم قوة تفاوضية أكبر داخل المؤسسة، وأن يدفع المكتب التنفيذي المركزي بطنجة إلى التعامل مع الحسيمة باعتبارها قطباً اقتصادياً قائماً بذاته، يتوفر على مؤهلات وفرص استثمارية تستحق مشاريع مهيكلة، وليس مجرد ملحقة إدارية ثانوية.

— التنمية المستدامة.. اختبار حقيقي لمبدأ الإنصاف

إن رهان التنمية المستدامة والشراكة الحقيقية الذي ترفعه غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة طنجة-تطوان-الحسيمة يظل مرتبطاً بمدى قدرة مؤسسات الحكامة على تجاوز مركزية التدبير، وإعادة النظر في آليات توزيع المشاريع والموارد المهنية والاقتصادية بصورة أكثر إنصافاً.

فإقليم الحسيمة، بما يتوفر عليه من مؤهلات اقتصادية وجغرافية وبشرية، يحتاج إلى أكثر من خدمات إدارية روتينية أو مبادرات موسمية محدودة؛ إذ يتطلب الأمر رؤية واضحة، وبرامج مهيكلة، واستثمارات قابلة للقياس، وآليات شفافة لتقييم النتائج.

ويبقى التحدي المطروح أمام الغرفة الجهوية هو ترجمة مبدأ العدالة المجالية من شعار مؤسساتي إلى إجراءات عملية، تضمن للأقاليم الطرفية، وفي مقدمتها الحسيمة، نصيباً منصفاً من المشاريع المهنية والاقتصادية، وتحد من استمرار الفجوات التنموية، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويكرس تنمية جهوية متوازنة ومستدامة.

وفي انتظار تحقيق ذلك، يظل السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أين نصيب إقليم الحسيمة من كعكة المشاريع؟

29/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts