بقلم : محمد المهدي اقرابش أكاديمي وعضو منتدى الإسلام بفرنسا.
شهدت فرنسا مظاهرات حاشدة قادها تلاميذ الثانويات وطلبة الجامعات، والتحق بها، استغلالاً للفرصة، أصحاب السترات الصفراء والنقابات وتيار عريض من اليسار الراديكالي «فرنسا الأبية». وقد أعادت هذه المظاهرات إلى الأذهان المظاهرات الطلابية لشهر ماي 1968، التي غيّرت المسار السياسي والاقتصادي والاجتماعي بفرنسا وأوروبا ومناطق أخرى.
يُعرف الشعب الفرنسي بمزاجه السيئ وثوراته ومظاهراته المتكررة، وهي عادة متجذرة في سلوك المجتمع الفرنسي، كما هو مذكور في كتاب «تلخيص الإبريز في أخبار باريس» للشيخ رفاعة الطهطاوي؛ فلا غرابة إذن من حدة هذه المظاهرات ضد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية السيئة، ففي تكوينه الجيني جنوح نحو التمرد على الظروف إذا ساءت؛ لذلك تحاول السلطات الفرنسية تطويق الأزمة عن طريق عقد لقاءات وحوارات بين الحكومة والمتظاهرين، سواء كانوا من جيل Z أو من غيرهم من الطلبة والمواطنين والنقابات ومختلف قوى المجتمع، من أجل إيجاد حل متوافق عليه، والاستجابة للمطالب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
لقد تسببت حرب أوكرانيا وأزمة غلاء الأسعار الناتجة عن حرب إيران، وتدهور المرافق العمومية وتراجعها منذ فترة أزمة كوفيد-19، في حدوث قلق وجودي كبير يتساءل عن مستقبل البلاد والأجيال الصاعدة.
أضف إلى هذا موجة العنصرية التي تفاقمت بسبب تيارات يمينية متطرفة تدعو إلى طرد المهاجرين، وتنسب الأزمات التي تعرفها البلاد إلى المهاجرين والمسلمين، لأنهم الحلقة الأضعف بين قوى المجتمع الفرنسي. لقد هيمن اليمين المتطرف، إلى جانب اليسار الراديكالي «فرنسا الأبية»، على المشهد السياسي، مما أدى إلى إضعاف اليمين الكلاسيكي واليسار والوسط، فصار هؤلاء يستميلون اليمين المتطرف بتبني مصطلحات عنصرية مبنية على الكزينوفوبيا والعنصرية والإسلاموفوبيا ورفض الآخر، كمصطلح «الاستبدال الكبير» الذي اخترعه أرنولد كامو، داعياً إلى نظرية إحلال شعب مسلم وذي أصول إفريقية مكان الشعب الفرنسي الأصيل الكاثوليكي الأبيض! وهو وهم، بدليل النسبة القليلة للمهاجرين والفرنسيين ذوي الأصول الأجنبية وباقي سكان فرنسا؛ وقد أكد هذه الحقيقة خبراء ومؤرخون وإحصائيون؛ بل ذهب المنصفون منهم إلى أن الهجرة هي التي كوّنت الشعب الفرنسي منذ قرون، وأن الاستعمار الفرنسي لبلدان إفريقيا وغيرها كان سبباً في نهضة فرنسا واستقلالها وبنائها.
فليس هناك إذن عرق فرنسي خالص، كما يدعيه، خطأً أو عمداً، العنصريون والإقصائيون؛ وإنما هناك عقد اجتماعي وتوافق بين الفرنسيين حول مبادئ الحرية والمساواة والإخاء.
هناك استقطاب حاد وجو غير صحي يسود الأوساط الإعلامية والنقاشات السياسية والثقافية الفرنسية؛ أضف إلى هذا الأحداث الإرهابية والعنصرية والإسلاموفوبيا التي تصيب مسلمي فرنسا بين الفينة والأخرى، نسوق منها اغتيال أبوبكر سيسي، مسلم مالي، في مسجد بجنوب فرنسا، وكذلك هشام ميراوي، ثم أخيراً مقتل وجرح مسلمين بمدينة تراب الفرنسية.
إن المجتمع الفرنسي وأوروبا عموماً يحملان في أحشائهما بذور الانقسام والحروب عبر قرون متتالية، ولا أدل على ذلك من اضطهاد الكاثوليك للبروتستانت، كما في «قضية جون كالاس»، ودفاع فولتير عن التسامح بين الأديان، وواقعة اليهودي دريفوس الذي ظُلم وانتهكت حقوقه بسبب يهوديته، رغم كونه منتمياً إلى الجيش الفرنسي؛ وقد دافع عن براءته الأديب والكاتب والروائي الفرنسي إميل زولا، متهماً بعض الأجهزة الفرنسية والرأي العام آنذاك في مقالته الشهيرة «أنا أتهم»، وبلغ هذا اضطهاد اليهود ذروته أثناء حكم حكومة فيشي الفرنسية التي رضخت للحكم الألماني النازي خلال سنوات الأربعينيات؛ ولا تزال معاداة السامية موجودة في المجتمع الفرنسي إلى جانب معاداة المسلمين والمهاجرين.
تحرص الجمعيات الحقوقية، وجمعية مقاومة الاعتداءات ضد المسلمين، وجمعية مناهضة ومكافحة العنصرية والعداء ضد السامية، والمؤسسات الفرنسية، على مكافحة ومحاربة هذه الظاهرة التي تهدد تماسك المجتمع الفرنسي؛ مذكرةً بمبدأ اللائكية الحقيقي الذي يدافع عن حق الأقليات الدينية ويضمن العيش المشترك بين شرائح المجتمع تحت قيم الحرية والمساواة والإخاء. وهي مبادئ يكرّسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 ميلادية، والإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن لسنة 1789 ميلادية.
يبحث بعض الساسة، في حالة الأزمات، عن كبش فداء (bouc émissaire)، لصعوبة حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المستعصية.
وأظن أن هذه الاحتجاجات والاضطرابات التي تعصف بالمجتمع الفرنسي، والتي تُمنع أحياناً من طرف وزارة الداخلية الفرنسية بسبب مخاطر المس بالنظام العام وبأمن المواطنين، ستؤدي إلى فرض تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية على مستوى فرنسا؛ وستنعكس غالباً على محيطها في القارة الأوروبية، وربما على باقي المناطق الأخرى.
لقد رفضت قطاعات واسعة في المجتمع الفرنسي سياسة التقشف والموازنة؛ ودعت إلى الاستمرار في الاحتجاجات والمظاهرات يوم السبت 31 أكتوبر، عن طريق قرع الأواني والقدور؛ ويوم 5 نونبر، عن طريق إعلان خمس نقابات كبرى عن إضراب عام وشامل.
تطالب هذه الاحتجاجات بالقطع مع ممارسات النظام الاقتصادي الجديد الذي يُغني الأغنياء ويفقر الفقراء.
وتتهدد هذه الاحتجاجات أعمال عنف وشغب وتخريب، كما شهدناها في الاحتجاجات السابقة.
لهذا، فالدولة الفرنسية أمام المعادلة الصعبة، المتمثلة في التوفيق بين ضمان حق الاحتجاج والإضراب للمواطنين والحفاظ على النظام العام وأمن المواطنين.
30/10/2026