إقبال انتخابي لافت في المجتمعين العربي والدرزي يوجه رسالة سياسية إلى معسكر اليمين الإسرائيلي، ويكشف محدودية محاولات نتنياهو استمالة الناخبين الدروز، وسط تصاعد الغضب بسبب هدم المنازل وتفشي الجريمة والعنف وتدهور الأوضاع المعيشية.
كشفت نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة عن تحول لافت في الخريطة الانتخابية داخل البلدات العربية والدرزية، بعدما سجل معسكر التغيير تقدما واضحا على حساب اليمين بقيادة بنيامين نتنياهو، في تطور يعكس تراجع قدرة حزب الليكود على استقطاب الناخبين في هذه الأوساط، رغم المحاولات المتكررة لرئيس الحكومة المنتهية ولايته استمالة العرب والدروز.
وفي قراءة لهذه التحولات، أكد الصحافي والمحلل السياسي المتخصص في الشأنين العربي والدرزي، منعم حلبي، خلال مداخلة على قناة إسرائيلية، أن المجتمعين العربي والدرزي سجلا حضورا انتخابيا قويا، اتجه بصورة واضحة نحو الأحزاب والقوائم المنتمية إلى معسكر التغيير، في تعبير عن رفض السياسات التي انتهجتها حكومة اليمين.
وتبرز الأرقام حجم التحول داخل البلدات الدرزية، حيث ارتفعت نسبة المشاركة في التصويت إلى نحو 64.7 في المائة، بزيادة بلغت 11 نقطة مقارنة بالدورات الانتخابية السابقة، فيما تجاوزت نسبة المصوتين لصالح أحزاب معسكر التغيير والقوائم العربية 77 في المائة، وفق المعطيات التي عرضها حلبي.
وتبدو نتائج حزب الليكود أكثر إحراجا، بعدما لم يتمكن من الحصول سوى على نحو 4 في المائة من الأصوات في بلدة عسفيا، في مؤشر على محدودية تأثير محاولات نتنياهو السياسية والإعلامية، التي سعى من خلالها إلى تقديم نفسه باعتباره المدافع عن مصالح الدروز وحامي حقوقهم.
ولم تنجح الزيارات التي قام بها نتنياهو إلى بعض البلدات الدرزية، ولا محاولاته توظيف الخطاب السياسي المرتبط بمكانة الدروز داخل إسرائيل، في تغيير اتجاهات الناخبين، الذين اختاروا، بحسب قراءة المحلل، التعبير عن استيائهم من واقع اجتماعي واقتصادي وأمني يزداد تعقيدا.
وتتصدر أزمة هدم المنازل المبنية فوق الأراضي الخاصة، في ظل غياب مخططات عمرانية كافية تسمح بالتوسع والبناء القانوني، قائمة الملفات التي تغذي الاحتقان داخل هذه البلدات، إلى جانب الغرامات المالية الباهظة التي تلاحق السكان، وتفشي الجريمة والعنف، وهي قضايا لم تنجح الحكومات المتعاقبة في تقديم حلول ملموسة بشأنها.
واعتبر حلبي أن المجتمع الدرزي لا يمكن فصله عن محيطه العربي، سواء من حيث الهوية أو القضايا اليومية والتحديات الاجتماعية، مشيرا إلى أن التصويت جاء تعبيرا عن رفض السياسات المرتبطة بحكومة نتنياهو وحلفائه، وفي مقدمتهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.
ولم تقتصر المفاجأة الانتخابية على البلدات الدرزية، بل امتدت إلى المشهد العربي برمته، بعدما حققت الأحزاب والقوائم العربية، بحسب الأرقام التي أوردها المحلل، ما بين 19 و20 مقعدا، بمشاركة تقارب مليون ناخب عربي، في نتيجة وصفها بالإنجاز التاريخي الذي يعكس حجم المشاركة والتعبئة السياسية داخل المجتمع العربي.
وفي المقابل، يجد بنيامين نتنياهو نفسه أمام تحد سياسي متزايد، رغم حصول الليكود على 27 مقعدا، إذ يرى حلبي أن رئيس الحكومة المنتهية ولايته يواجه صعوبة في الحفاظ على موقعه في صدارة المشهد، فيما يظل تشكيل الحكومة المقبلة رهينا بقدرة معسكر التغيير على حشد الأغلبية اللازمة داخل الكنيست.
كما اعتبر المحلل أن التشكيك في نزاهة العملية الانتخابية والنتائج المعلنة يمثل محاولة للتعامل مع التداعيات السياسية للخسارة، بدل التركيز على التحولات التي كشفتها صناديق الاقتراع، مستحضرا في هذا السياق قضايا الفساد التي تلاحق نتنياهو والانتقادات الموجهة إليه من خصومه.
غير أن الاختبار الحقيقي لا يتوقف عند تسجيل المكاسب الانتخابية أو تغيير موازين القوى داخل الكنيست، بل يبدأ من قدرة النواب والقيادات العربية على تحويل هذا الزخم الشعبي إلى إنجازات ملموسة، خصوصا في ملفات السكن والتخطيط العمراني ومكافحة الجريمة وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية.
وحذر حلبي من إهدار هذه الفرصة السياسية، مؤكدا أن النتائج تضع مسؤولية كبيرة على عاتق ممثلي المجتمع العربي، الذين باتوا مطالبين باستثمار حضورهم البرلماني للدفاع عن الحقوق المدنية والمعيشية، وعدم الاكتفاء بالاحتفال بعدد المقاعد والأصوات.
وبذلك، تحولت صناديق الاقتراع في البلدات العربية والدرزية إلى محطة كاشفة لحجم التحولات داخل المجتمع الإسرائيلي، بعدما أظهرت النتائج أن قضايا السكن والأمن والحقوق الاجتماعية باتت حاضرة بقوة في اختيارات الناخبين، وأن استمالة هذه الشرائح لم تعد ممكنة بمجرد الزيارات والخطابات السياسية، في ظل استمرار الأزمات التي تطالب بمعالجتها.
30/10/2026