kawalisrif@hotmail.com

7000 لغة تواجه شبح الإبادة الصامتة، واللادينو آخر ضحايا النسيان … بحلول 2100 قد تختفي 90 في المائة من لغات العالم إلى الأبد !

7000 لغة تواجه شبح الإبادة الصامتة، واللادينو آخر ضحايا النسيان … بحلول 2100 قد تختفي 90 في المائة من لغات العالم إلى الأبد !

ناقوس الخطر يدق في أوروبا وإسرائيل.. لغات عريقة تسير نحو المقبرة الصامتة قبل نهاية القرن، واللادينو تحمل ذاكرة يهود إسبانيا إلى آخر أنفاسها !

في مفارقة ثقافية تختزل حجم التحولات التي تضرب المجتمعات الحديثة، تواجه مجموعة من اللغات العريقة خطر الاختفاء من الخريطة اللغوية العالمية قبل نهاية القرن الحالي، في مشهد لا يتعلق بمجرد تراجع مفردات ولهجات، بل باحتمال اندثار ذاكرة شعوب بأكملها وتاريخها وهويتها الثقافية. فقد كشف تقرير نشرته قناة إسرائبلية عن قائمة لغات مهددة بالانقراض، من بينها الأيرلندية والرومانشية والبريتونية والهاوايية، وصولاً إلى اللادينو، اللغة التي تحمل إرث يهود إسبانيا منذ قرون.

وبحسب التقديرات التي أوردها التقرير، فإن ما بين 40 و50 في المائة من نحو 7000 لغة مستخدمة حالياً في العالم تواجه خطر الاندثار، فيما تذهب أكثر التوقعات تشاؤماً إلى احتمال اختفاء ما يصل إلى 90 في المائة منها بحلول سنة 2100. وهي أرقام تكشف أن العالم قد يكون مقبلاً على واحدة من أكبر الكوارث الثقافية الصامتة، حيث لا تختفي الكلمات وحدها، بل معها الحكايات والأمثال والأغاني وطرق التفكير والتعبير التي راكمتها المجتمعات عبر أجيال طويلة.

ومن بين الحالات الأكثر إثارة للانتباه، تبرز اللغة الرومانشية في سويسرا، التي تتمتع بوضع إحدى اللغات الوطنية الأربع، إلى جانب الألمانية والفرنسية والإيطالية، لكنها تجد نفسها عاجزة عن مواجهة زحف اللغات الأكثر انتشاراً. فرغم الدعم الحكومي والتمويل الرسمي، لا يتجاوز عدد متحدثيها الأصليين نحو 40 ألف شخص، فيما يستخدمها بانتظام قرابة 60 ألفاً، وسط تراجع انتقالها بين الأجيال وهجرة الشباب نحو المدن الناطقة بالألمانية.

أما الأيرلندية، فتقدم نموذجاً أكثر تناقضاً؛ فهي لغة رسمية في بلدها، ويصرح قرابة مليوني شخص بمعرفتهم بها، لكن الاستخدام اليومي خارج المؤسسات التعليمية لا يتجاوز نحو 72 ألف شخص. وهكذا، تتحول اللغة التي يفترض أن تكون عنواناً للهوية الوطنية إلى مادة مدرسية يتعلمها التلاميذ، دون أن تجد طريقها بالقدر الكافي إلى البيوت والحياة اليومية، في مفارقة تطرح سؤالاً محرجاً حول جدوى الاعتراف الرسمي عندما يعجز المجتمع عن نقل لغته إلى أبنائه.

لكن الجانب الأكثر إثارة في التقرير يرتبط بلغة اللادينو، المعروفة أيضاً بالإسبانية اليهودية، والتي تحمل قصة تاريخية استثنائية تعود إلى شبه الجزيرة الإيبيرية خلال العصور الوسطى. فقد ظلت هذه اللغة حية لأكثر من خمسة قرون بعد طرد اليهود من إسبانيا سنة 1492، وانتقلت مع المطرودين إلى مناطق واسعة من الإمبراطورية العثمانية والبلقان وشمال أفريقيا والأمريكتين، حيث اختلطت مفرداتها بالعربية والتركية واليونانية والفرنسية والعبرية.

وفي مطلع القرن العشرين، كانت اللادينو لغة حية يتحدث بها مئات الآلاف، خصوصاً في مدن مثل سالونيك وإسطنبول وإزمير وصوفيا، قبل أن تضربها التحولات التاريخية والحرب العالمية الثانية والمحرقة، ثم تتواصل عملية تراجعها مع تعاقب الأجيال. ويقدر عدد المتحدثين بها اليوم بما يتراوح بين 50 ألفاً و130 ألف شخص، يعيش معظمهم في إسرائيل، فيما يتجاوز عمر الغالبية الساحقة منهم 70 عاماً، الأمر الذي يجعل مستقبل هذه اللغة محفوفاً بمخاطر حقيقية.

ورغم تأسيس هيئة وطنية للحفاظ على ثقافة اللادينو بموجب قانون أقره الكنيست سنة 1996، فإن جهود الإحياء لا تزال تصطدم بواقع ديموغرافي وثقافي صعب، بعدما تحولت اللغة تدريجياً من وسيلة للتواصل اليومي إلى حضور محدود في الأغاني والأمثال والذاكرة العائلية.

وفي فرنسا، تواجه اللغة البريتونية، ذات الجذور الكلتية، مصيراً مشابهاً بعدما تعرضت لعقود من التهميش والقمع اللغوي، في ظل سياسات فضّلت اللغة الفرنسية على اللغات الإقليمية. ورغم وجود نحو 200 ألف متحدث بها حالياً، فإن معظمهم تجاوزوا سن الستين، بينما يظل حضور الأجيال الشابة محدوداً، ما يضع مستقبلها أمام تحديات كبيرة.

وفي المقابل، تقدم اللغة الهاوايية نموذجاً مختلفاً، بعدما اقتربت من الاختفاء خلال القرن العشرين، إثر حظر استخدامها في المدارس، قبل أن تنطلق جهود لإحيائها عبر التعليم المبكر والاعتراف الرسمي بها إلى جانب الإنجليزية. ورغم ارتفاع عدد مستخدميها إلى ما بين 18 ألفاً و27 ألف شخص، فإنها لا تزال تواجه هشاشة واضحة، خصوصاً على مستوى انتقالها بوصفها لغة أم بين الأجيال الجديدة.

وتكشف هذه النماذج أن الخطر لا يهدد بالضرورة لغات المجتمعات الفقيرة أو المعزولة فقط، بل يمتد إلى قلب أوروبا وإلى دول تمتلك مؤسسات قوية وإمكانات مالية وسياسات ثقافية معلنة. فالقوانين والميزانيات والاعترافات الرسمية قد تمنح اللغة فرصة للبقاء، لكنها لا تستطيع وحدها إنقاذها إذا توقفت العائلات عن تعليمها لأطفالها، وتحولت إلى مجرد ذكرى محفوظة في الكتب والمتاحف.

قد لا يكون المشهد الأكثر مأساوية هو اختفاء لغة من القواميس، بل أن يأتي يوم يبحث فيه أحفاد أصحابها عن كلمة واحدة من لغة أجدادهم فلا يجدون من ينطق بها. عندها لن تكون البشرية قد خسرت مجرد وسيلة للتخاطب، بل ستكون قد دفنت جزءاً من ذاكرتها إلى الأبد، في جنازة صامتة لا تسمع فيها الكلمات الأخيرة، لأنها ببساطة ستكون قد اختفت مع آخر من كان يعرف كيف ينطق بها!

31/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts