يواصل المكتب الوطني للسكك الحديدية تسجيل مفارقة مالية لافتة، بعدما عجزت الارتفاعات المتتالية في رقم معاملاته عن وضع حد لنزيف خسائره، في وقت تتجه فيه المؤسسة إلى ضخ استثمارات ضخمة بمليارات الدراهم لتحديث الشبكة السككية وتوسيع خدماتها، وسط رهانات كبيرة على تحقيق تحول جذري في النقل السككي بالمغرب قبل حلول سنة 2030.
وتكشف الأرقام الواردة في التقرير المتعلق بالمؤسسات والمقاولات العمومية، المرفق بمشروع قانون المالية لسنة 2027، عن استمرار العجز في النتائج الصافية للمكتب، إذ بلغت خسائره خلال النصف الأول من سنة 2026 ما مجموعه 716 مليون درهم، بعدما أنهى سنة 2025 بعجز مالي وصل إلى مليار و404 ملايين درهم، مقابل مليار و313 مليون درهم سنة 2024.
وتضع هذه الحصيلة الوضعية المالية للمؤسسة أمام تحدٍ واضح، يتمثل في عدم انعكاس النمو التجاري وتزايد مداخيلها على النتائج النهائية، رغم تسجيل مؤشرات إيجابية على مستوى حركة المسافرين ورقم المعاملات.
وعلى مستوى نشاط نقل المسافرين، سجل المكتب خلال سنة 2025 عبور 56 مليون مسافر عبر شبكته، بزيادة طفيفة بلغت 1 في المائة مقارنة بالسنة السابقة، فيما استقطب القطار فائق السرعة «البراق» حوالي 5,6 ملايين مسافر، محققاً نمواً بنسبة 3 في المائة.
وانعكس هذا التطور على المداخيل، التي بلغت 2 مليار و905 ملايين درهم من نشاط نقل المسافرين، بارتفاع نسبته 5 في المائة، توزعت بين 848 مليون درهم حققها قطار «البراق»، بزيادة بلغت 9 في المائة، ومليارين و57 مليون درهم سجلتها القطارات التقليدية، بنمو قدره 4 في المائة.
أما رقم المعاملات الموطد للمكتب، فقد ارتفع إلى 6 مليارات و191 مليون درهم خلال سنة 2025، مقابل 5 مليارات و809 ملايين درهم سنة 2024، أي بزيادة بلغت 7 في المائة، غير أن هذا التحسن لم يمنع تفاقم العجز الصافي، الذي انتقل من مليار و313 مليون درهم إلى مليار و404 ملايين درهم.
ولم تحمل المؤشرات المسجلة خلال الأشهر الستة الأولى من سنة 2026 تحولاً كبيراً على مستوى هذه المعادلة، إذ بلغ رقم المعاملات إلى غاية متم يونيو 2 مليار و479 مليون درهم، بارتفاع نسبته 2 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، مقابل استمرار الخسائر الصافية عند مستوى 716 مليون درهم، في حين وصلت نفقات الاستثمار إلى 4 مليارات و834 مليون درهم.
وبخصوص الحصيلة المرتقبة عند اختتام السنة الجارية، يتوقع التقرير أن يصل رقم المعاملات إلى 5 مليارات و276 مليون درهم، وأن تبلغ نتيجة الاستغلال 216 مليون درهم، مقابل استمرار النتيجة الصافية في المنطقة السلبية بعجز متوقع قدره 652 مليون درهم. كما ينتظر أن تصل الاستثمارات إلى 18,2 مليار درهم، بانخفاض يقارب 4 في المائة مقارنة بسنة 2025.
ويربط التقرير استمرار العجز المالي أساساً بالعبء الثقيل للاستثمارات الموجهة إلى البنيات التحتية، وما يترتب عنها من تكاليف الاستهلاك والأعباء المالية، خاصة أن حجم الاستثمارات التي أنجزها المكتب خلال سنة 2025 بلغ 18 ملياراً و984 مليون درهم.
وشملت هذه الاعتمادات اقتناء العقارات، وإنجاز أشغال الهندسة المدنية وتطوير الخطوط السككية المستغلة، إلى جانب توفير التجهيزات والمعدات المرتبطة بالنقل السككي، في إطار برنامج تحديث واسع النطاق يستهدف إعادة تشكيل منظومة القطارات بالمملكة.
وتتجه الأنظار بشكل خاص إلى البرنامج الجديد لتطوير النقل السككي في أفق 2030، الذي رُصد له غلاف مالي إجمالي يصل إلى 96 مليار درهم، من بينها 53 مليار درهم لتمديد الخط فائق السرعة بين القنيطرة ومراكش، بما يشمل البنيات التحتية والتجهيزات الضرورية، و29 مليار درهم لاقتناء 168 قطاراً من الجيل الجديد، فضلاً عن 14 مليار درهم مخصصة للحفاظ على مستوى نجاعة الأداء وضمان استمرارية المرفق السككي.
ولا تتوقف طموحات المكتب عند المشاريع الجارية، إذ تشير التوقعات المالية إلى إمكانية رفع رقم معاملاته إلى 6 مليارات و51 مليون درهم سنة 2027، ثم 6 مليارات و565 مليون درهم سنة 2028، ليصل إلى 7 مليارات و45 مليون درهم سنة 2029، في وقت يرتقب أن تتجاوز الاستثمارات 29 مليار درهم خلال سنة 2027 وحدها.
ويراهن المكتب على أن يؤدي دخول المنشآت السككية الجديدة والمعدات المتحركة إلى الخدمة بشكل تدريجي إلى توسيع القدرة الاستيعابية للشبكة، ومواكبة الارتفاع المنتظر في الطلب على التنقل بالقطار، خصوصاً داخل المراكز الحضرية الكبرى وعلى المحاور الاقتصادية الرئيسية للمملكة.
أما الرهان الأكبر، فيتمثل في بلوغ حوالي 100 مليون مسافر سنوياً بحلول سنة 2030، ورفع رقم المعاملات إلى نحو 10 مليارات درهم، مع تحقيق هامش تشغيل يتجاوز 5 مليارات درهم.
وبين أرقام المداخيل المتصاعدة والخسائر التي لا تزال تثقل النتائج الصافية، يجد المكتب الوطني للسكك الحديدية نفسه أمام اختبار مالي واستثماري كبير: تحويل المشاريع الضخمة التي يجري إطلاقها إلى مردودية اقتصادية فعلية، وضمان ألا تظل الزيادة في رقم المعاملات منفصلة عن تحقيق التوازن المالي للمؤسسة.
31/10/2026