لم تعد تداعيات الصراع في الشرق الأوسط محصورة في أسواق الطاقة وأسعار النفط، بل بدأت تلقي بظلالها الثقيلة على قطاع الطيران الأوروبي، بعدما وجدت شركة “رايان إير”، أكبر شركة طيران منخفضة التكلفة في أوروبا، نفسها أمام ضغوط مالية متصاعدة دفعتها إلى التفكير في إجراءات تقشفية مثيرة للجدل، تشمل تجميد أجور العاملين، وتقليص عدد أفراد أطقم الطائرات، وتسريع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، في خطوة تنذر بمواجهة مفتوحة مع النقابات العمالية.
وكشفت صحيفة “الغارديان” البريطانية أن إدارة الشركة تدرس حزمة من التدابير لاحتواء الارتفاع الحاد في تكاليف الوقود، وسط توقعات بأن ترتفع فاتورة وقود الطائرات بنحو ملياري يورو خلال سنتها المالية المقبلة، التي تنتهي في مارس 2028، وهو عبء مالي ثقيل يهدد بتغيير حسابات الشركة التي بنت نموذجها الاقتصادي على تقديم رحلات بأسعار منخفضة.
وتتوقع “رايان إير” أن تضطر شركات الطيران الأوروبية إلى رفع أسعار التذاكر بنسبة قد تصل إلى 20 في المائة خلال السنة المقبلة، في ظل استمرار اضطراب أسواق الطاقة وانتهاء عقود التحوط التي كانت تحمي شركات الطيران من تقلبات أسعار الوقود. وحذر رئيسها التنفيذي، مايكل أوليري، من أن استمرار الصراع في الشرق الأوسط دون تسوية سريعة قد يبقي أسعار وقود الطائرات مرتفعة إلى غاية فترة متقدمة من سنة 2027.
ولم يخف أوليري حجم المأزق الذي تواجهه الشركة، معتبراً أن الزيادات المرتقبة في أسعار الرحلات الأوروبية القصيرة، رغم أهميتها، لن تكون كافية لتعويض الارتفاع المتوقع في فاتورة الوقود، المقدرة بملياري يورو إضافيين.
وفي مواجهة هذه الضغوط، بدأت الإدارة مراجعة شاملة لنفقاتها، واضعة أجور العاملين وعدد أفراد أطقم الطائرات ضمن دائرة الإجراءات المحتملة، إلى جانب إعادة التفاوض بشأن الاتفاقيات المبرمة مع المطارات وتوسيع استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تدبير العمليات اليومية.
غير أن الحديث عن تجميد الأجور فتح جبهة جديدة في مواجهة الشركة مع النقابات، بعدما سارعت نقابة “يونايت” البريطانية إلى التشكيك في إمكانية تنفيذ هذه الخطوة، مؤكدة أن لديها اتفاقاً متعدد السنوات بشأن الأجور يمتد إلى سنة 2027، ولا يرتبط بالأداء المالي للشركة أو بنتائجها التجارية.
وشددت النقابة على أنها لم تتلق أي إخطار رسمي بشأن مقترحات تجميد الأجور، مؤكدة أن الاتفاقيات الموقعة يجب احترامها، خصوصاً أن إدارة “رايان إير” سبق أن أكدت أن هذه الالتزامات غير مشروطة بالنتائج المالية.
ولا تقف التدابير المحتملة عند حدود الأجور، إذ أعلن أوليري أن الشركة تعتزم إبطاء وتيرة توظيف الطيارين الجدد وأفراد أطقم الضيافة الجوية، فضلاً عن تقليص التوظيف في برامجها التدريبية، في مؤشر على أن تداعيات أزمة الوقود قد تمتد إلى سوق الشغل داخل واحدة من أكبر شركات الطيران الأوروبية.
وفي تحول يعكس حجم الرهان على التكنولوجيا، تراهن “رايان إير” بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي لتقليص النفقات ورفع الإنتاجية، حيث أكد رئيسها التنفيذي أن هذه التقنيات ساهمت بالفعل في زيادة الطاقة الاستيعابية للشركة بنسبة 4 في المائة، من خلال تحسين تصميم جداول الرحلات واستغلال الأسطول الجوي بكفاءة أكبر.
وتعتبر الشركة أن إدارة أسطول يضم نحو 650 طائرة أصبحت مهمة بالغة التعقيد، وأن الأنظمة الذكية باتت قادرة على تنظيم العمليات وتخطيط الرحلات بصورة أكثر كفاءة، بما يسمح باستخراج إنتاجية إضافية من الطائرات دون الحاجة بالضرورة إلى توسيع الموارد البشرية بالوتيرة السابقة.
وتكشف الأرقام التي قدمتها الشركة عن تفاوت واضح في قدرتها على مواجهة تقلبات أسعار الوقود؛ إذ أمّنت 80 في المائة من احتياجاتها إلى نهاية مارس المقبل بسعر 67 دولاراً للبرميل، بينما لم تتجاوز نسبة الوقود المؤمّن للأشهر الاثني عشر التالية 25 في المائة، بسعر 95 دولاراً للبرميل. وهو ما دفع أوليري إلى الإقرار بأن شركات القطاع لم تكن محمية بما يكفي من تقلبات السوق.
ورغم هذه الضغوط، لا تزال الشركة تحقق أرباحاً ضخمة، بعدما أعلنت تسجيل أرباح صافية بعد الضرائب بلغت 1.61 مليار يورو خلال الربع المنتهي في شتنبر الماضي، وإن كانت أقل بنسبة 6 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة السابقة. كما ارتفع عدد المسافرين بنسبة 5 في المائة، ليصل إلى 64.5 مليون مسافر.
وفي محاولة لتعزيز كفاءة أسطولها وتقليص فاتورة الطاقة، تستعد الشركة لتسلم طائرات “بوينغ 737 ماكس 10” ابتداءً من يناير المقبل، وهي طائرات توفر مقاعد إضافية بنسبة 20 في المائة، مع استهلاك وقود أقل بنحو الخمس مقارنة بالطائرات الحالية.
لكن خلف هذه الأرقام والأرباح والاستثمارات التكنولوجية، تتكشف ملامح أزمة أعمق تضرب نموذج الطيران منخفض التكلفة في أوروبا؛ فارتفاع أسعار الوقود يضغط على هوامش الربح، ورفع أسعار التذاكر قد يهدد جاذبية الرحلات الاقتصادية، فيما يضع تجميد الأجور وتقليص الأطقم الإدارة في مواجهة مباشرة مع العاملين والنقابات.
وهكذا، تجد “رايان إير” نفسها أمام اختبار صعب: إما امتصاص صدمة الطاقة على حساب الأجور وفرص الشغل وظروف العمل، أو نقل جزء أكبر من الفاتورة إلى المسافرين عبر زيادات قد تصل إلى مستويات غير مسبوقة. وبين طائرات تبحث عن وقود أقل تكلفة، ونقابات تستعد للدفاع عن مكتسبات العاملين، وذكاء اصطناعي يزحف إلى وظائف كانت حكراً على البشر، تبدو سماء الطيران الأوروبي مرشحة لدخول مرحلة اضطراب جديدة، قد تنتهي بسقوط آخر أوهام الرحلات الرخيصة، وتحول تذكرة السفر الاقتصادي إلى عبء إضافي على جيوب ملايين الأوروبيين.
02/11/2026