في تطور صناعي واستثماري يحمل دلالات استراتيجية تتجاوز حدود السوق الوطنية، اختارت مجموعة الطاقة العالمية “شل” أن تربط جزءاً من احتياجاتها المستقبلية من الوقود المستدام بمشروع صناعي ضخم يجري تطويره بميناء الناظور غرب المتوسط، في خطوة جديدة تعزز موقع المغرب على خريطة التحولات العالمية في مجال الطاقة النظيفة، وتفتح أمام المنطقة الشرقية آفاقاً اقتصادية وصناعية غير مسبوقة.
وكانت شركة “شل” قد أبرمت اتفاقية توريد طويلة الأجل مع شركة “غرين سكاي منارة”، التابعة لمجموعة “غرين سكاي كابيتال”، تمنح بموجبها شركة “شل تريدينغ روتردام بي. في.” حقوق شراء حصرية لنحو 150 ألف طن سنوياً من وقود الطيران المستدام، أو ما يعادله من الديزل المتجدد، انطلاقاً من منشأة صناعية مرتقب إنجازها داخل المركب المينائي الناظور غرب المتوسط.
ولا تقف الصفقة عند حدود وقود الطائرات، بل تشمل أيضاً منتجات حيوية أخرى، من بينها النافثا الحيوية والبروبان الحيوي، بما يجعل المشروع مرشحاً للتحول إلى منصة صناعية متكاملة لإنتاج وتسويق أنواع متعددة من الوقود منخفض الكربون، الموجهة إلى الأسواق الدولية.
وتكتسب هذه الاتفاقية أهميتها من كونها تربط مشروعاً صناعياً مغربياً مرتقباً بواحد من أكبر الفاعلين العالميين في قطاع الطاقة، بما يوفر للمشروع منفذاً تجارياً دولياً قبل دخوله مرحلة الإنتاج، ويعكس حجم الرهان على مستقبل الوقود المستدام في قطاع الطيران، الذي يواجه ضغوطاً متزايدة لتقليص بصمته الكربونية.
ومن المرتقب أن تدخل المنشأة مرحلة التشغيل في أكتوبر 2028، باستثمار تقديري يبلغ 239 مليون دولار، وبقدرة إنتاجية سنوية تتراوح بين 176 ألفاً و200 ألف طن من وقود الطيران المستدام. وهي أرقام تضع المشروع ضمن أبرز المبادرات الصناعية الناشئة في مجال الوقود الأخضر بشمال إفريقيا.
والأكثر إثارة في هذا المشروع أنه لن يعتمد حصرياً على المحروقات التقليدية، بل سيستند إلى تثمين النفايات والمواد العضوية، من قبيل زيوت الطهي المستعملة والدهون الحيوانية ومخلفات الصناعات الغذائية، وتحويلها إلى وقود متوافق مع محركات الطائرات الحالية والبنيات التحتية للمطارات، دون الحاجة إلى تغيير جذري في منظومة التشغيل القائمة.
كما تعتزم الشركة إنتاج الديزل المتجدد والنافثا الحيوية والبروبان الحيوي، مع الاعتماد على جزء من المواد الأولية المتاحة محلياً، واستيراد كميات إضافية عبر ميناء الناظور غرب المتوسط، وهو ما يمنح المشروع بعداً لوجستياً وصناعياً عابراً للحدود.
وفي مؤشر إضافي على الاهتمام المؤسساتي بالمشروع، يدرس البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية تمويله بمبلغ قد يصل إلى 135 مليون دولار، ضمن حزمة تمويل تشمل أيضاً دعماً من صندوق المناخ الأخضر وضماناً من الاتحاد الأوروبي.
أما على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، فمن المنتظر أن يوفر المشروع حوالي 400 فرصة عمل خلال مرحلة الإنشاء، قبل إحداث نحو 162 منصب شغل قار عند انطلاق الاستغلال، إلى جانب برامج للتكوين التقني وتأهيل الكفاءات المحلية، وتشجيع مشاركة النساء في سوق العمل، ودعم شبكات جمع زيوت الطهي المستعملة.
وتأتي هذه التطورات في وقت يواصل فيه ميناء الناظور غرب المتوسط الانتقال من مرحلة تشييد البنيات التحتية إلى مرحلة استقطاب الأنشطة الاقتصادية والصناعية الكبرى، بعدما شهد تدشين أول محطة للحاويات، ليبدأ تدريجياً في تجسيد الرؤية التي جعلت منه مشروعاً يتجاوز وظيفة الميناء التقليدي، نحو بناء قطب متكامل للتجارة والصناعة والطاقة والخدمات اللوجستية.
وبالنسبة للمغرب، فإن دخول شركة بحجم “شل” في اتفاقية توريد طويلة الأجل مع مشروع بالناظور يحمل رسالة واضحة بشأن التحولات التي تشهدها الخريطة الصناعية للمملكة، خصوصاً مع تصاعد الطلب العالمي على الوقود المستدام، وسعي شركات الطيران ومجموعات الطاقة إلى تأمين مصادر جديدة ومتنوعة للإمدادات منخفضة الكربون.
إن الرهان لم يعد مقتصراً على استقبال السفن وتفريغ الحاويات، بل أصبح يتعلق بإنتاج طاقة المستقبل وتسويقها نحو الأسواق الدولية. وبينما تستعد الناظور غرب المتوسط لاحتضان هذا المشروع، تبدو المنطقة الشرقية أمام منعطف اقتصادي جديد قد يجعلها لاعباً في صناعة لم تكن، حتى وقت قريب، ضمن خريطة طموحاتها الصناعية.
من ميناء ينتظر السفن إلى منصة تستقطب عمالقة الطاقة العالمية.. هكذا تتقدم الناظور غرب المتوسط نحو كتابة فصل جديد في تاريخ الصناعة المغربية، وهذه المرة بوقود قد يشغّل طائرات العالم، ويحمل اسم المغرب إلى أسواق الطاقة الخضراء الدولية.
02/11/2026