kawalisrif@hotmail.com

التلفزيون الإسباني يروّج لمؤسسة شقيقة ملك المغرب … فهل باتت إنجازات المملكة تزعج مدريد إلى حد إعلان حالة الطوارئ الإعلامية ؟

التلفزيون الإسباني يروّج لمؤسسة شقيقة ملك المغرب … فهل باتت إنجازات المملكة تزعج مدريد إلى حد إعلان حالة الطوارئ الإعلامية ؟

في مشهد يكشف حجم التناقض الذي بات يطبع جزءا من الخطاب الإعلامي الإسباني تجاه المغرب، برزت مفارقة لافتة: التلفزيون الإسباني الرسمي يعرض، بالصوت والصورة، تجربة مغربية رائدة في مجال التعليم الدامج والرعاية الطبية للأطفال ذوي الإعاقة السمعية، بينما يسارع منبر صحفي إسباني إلى جر هذا الإنجاز الإنساني نحو مستنقع الحسابات السياسية والهواجس المرتبطة بمدينة سبتة المغربية المحتلة. وكأن المغرب لا يحق له أن ينجز شيئا في الصحة والتعليم دون أن يمر أولا عبر بوابة القلق الإسباني!

فبدل التعامل مع المبادرات المغربية باعتبارها تجربة إنسانية تستحق التقدير، اختار المنبر المذكور تقديم تقرير يربط الترويج لأنشطة مؤسسة للا أسماء باستمرار تداعيات أزمة الهجرة في سبتة، في محاولة توحي بأن العمل الإنساني المغربي أصبح بدوره مادة تستوجب الاستنفار الإعلامي، لمجرد أن الأمر يتعلق بمؤسسة تحمل اسم أحد أفراد الأسرة الملكية المغربية.

والأكثر إثارة للسخرية أن المادة التي حاولت وضع الإنجاز المغربي في سياق سياسي مشحون تكشف، في تفاصيلها، عن حجم التطور الذي راكمه المغرب في مجال التكفل بالأطفال ذوي الإعاقة السمعية، وعن امتداد إشعاع مبادراته إلى خارج حدوده. فالدور المغربي لم يعد محصورا في الاستجابة للاحتياجات الوطنية، بل أصبح يستقطب أطفالا وأسرهم من دول إفريقية أخرى للاستفادة من الخبرات الطبية والتأهيلية المغربية.

فالتقرير الذي بثه البرنامج المتخصص “بلغة الإشارة” على القناة الثانية الإسبانية يوم 24 أكتوبر الماضي، سلط الضوء على افتتاح جامعة للا أسماء بالرباط، باعتبارها مؤسسة تعليمية عمومية ودامجة، تتيح للطلبة ذوي الإعاقة السمعية وغيرهم متابعة دراستهم داخل فضاء أكاديمي مشترك، وتوفر تكوينات متخصصة في علم السمع وعلاج النطق والترجمة بلغة الإشارة، فضلا عن مختبرات مجهزة للبحث العلمي والدراسات المرتبطة بحاسة السمع.

كما عرض التلفزيون الإسباني مشاهد من زيارة الأميرة الجليلة للا أسماء لهذا الصرح التعليمي، مبرزا ما يتوفر عليه من تجهيزات وتقنيات متطورة. وهي تفاصيل كان يفترض أن تفتح نقاشا حول أهمية التجربة المغربية في مجال التعليم الدامج، لولا أن بعض الأقلام تبدو وكأنها لا تستطيع مشاهدة إنجاز مغربي دون البحث عن نافذة تطل منها على سبتة والحدود والهجرة.

ولم تتوقف الصورة عند حدود الجامعة، إذ كشف التقرير عن البعد الدولي للمبادرات التي تقودها مؤسسة للا أسماء، من خلال برنامج “متحدون نسمع بشكل أفضل”، الذي استقبل عشرة أطفال من العاصمة الكينية نيروبي، رفقة أسرهم، لإخضاعهم لعمليات زراعة القوقعة بالمستشفى الجامعي محمد الخامس بالرباط.

والأهم أن الخبرة الطبية المغربية لم تعد تستفيد منها الأسر المغربية وحدها، بل امتدت، وفق ما أورده التقرير، إلى أطفال ينحدرون من 21 دولة بإفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، بعدما أجرى الأطباء المغاربة مئات العمليات في هذا المجال، ضمن منظومة تشمل الجراحة والتأهيل اللاحق ومواكبة الأطفال في مسارهم التعليمي والاجتماعي.

هنا بالضبط تكمن المفارقة التي يصعب تجاوزها: المغرب الذي تحاول بعض الأقلام الإسبانية اختزاله في ملف الهجرة والحدود، يقدم نموذجا عمليا في التضامن الإنساني والتعاون الطبي العابر للقارات، ويستقبل أطفالا من دول أخرى لتمكينهم من استعادة حاسة السمع والاندماج في الحياة الطبيعية. إنها صورة مغرب المبادرات والمؤسسات والخبرة، لا مغرب الصور النمطية التي تحاول بعض المنابر تسويقها لجمهورها. ويبدو أن بعضهم لم يجد في كل هذه التفاصيل ما يستحق التوقف عنده سوى العودة، مرة أخرى، إلى قاموس التخويف المعتاد.

لكن بوصلة التقرير سرعان ما عادت إلى سبتة المحتلة، مستحضرة أرقام القاصرين والمهاجرين، في محاولة لربط الإنجاز الإنساني المغربي بأزمة الهجرة، وكأن لا شيء يمكن أن يحدث في المغرب خارج حسابات الحدود والهواجس الأمنية الإسبانية. فحتى زراعة القوقعة، في هذا المنطق الإعلامي الغريب، لا بد أن تجد طريقها في النهاية إلى ملف الهجرة!

فقد أورد التقرير أن عدد القاصرين غير المصحوبين بذويهم الذين تتكفل بهم سلطات الإحتلال بسبتة بلغ 3626 قاصرا، موزعين على 22 مركزا ومرفقا للإيواء، مدعيا أن ذلك تسبب في تجاوز الطاقة الاستيعابية العادية لمنظومة الرعاية الاجتماعية بنسبة 12400 في المائة، مقارنة بطاقة لا تتجاوز 29 قاصرا.

كما تحدث عن وجود نحو 7500 مهاجر غير نظامي في مخيمات مخصصة للبالغين، إضافة إلى تقديرات تتراوح بين 3000 و4000 شخص خارج مراكز الإيواء، من بينهم ما بين 400 و500 قاصر، مشيرا إلى أن عمليات الإعادة الاعتيادية إلى المغرب لم تسجل، وفق روايته، أي حالة.

وفي خضم هذه الأرقام، دخل زعيم الحزب الشعبي الإسباني ألبرتو نونييث فييخو على الخط، مستغلا الملف لمهاجمة حكومة بيدرو سانشيز، ومعلنا أن نحو 15 ألف مهاجر ممن دخلوا سبتة خلال الصيف لا يزالون داخل المدينة، قبل أن يتهم الحكومة الإسبانية بالعجز عن تدبير الملف دبلوماسيا مع الرباط.

وهنا تظهر حقيقة أخرى لا تقل أهمية: الأزمة لم تعد مجرد ملف لتدبير الهجرة، بل تحولت إلى ورقة في الصراع السياسي الإسباني الداخلي، حيث يتنافس الخصوم على توظيفها في المزايدات السياسية، بينما تتحول سبتة إلى منصة لتبادل الاتهامات بين الحكومة والمعارضة، ويجري استدعاء المغرب كلما احتاجت الحسابات الحزبية إلى خصم خارجي تعلق عليه الإخفاقات. وكأن تحميل الرباط المسؤولية بات أسهل من مواجهة الأسئلة الصعبة حول تدبير الأزمة داخل المؤسسات الإسبانية نفسها.

والأكثر غرابة أن بعض الأصوات الإسبانية تريد من المغرب أن يتحمل مسؤولية معالجة تداعيات أزمة تعجز المؤسسات الإسبانية نفسها عن تدبيرها، ثم تتعامل مع كل مبادرة مغربية ناجحة بمنطق الريبة والقلق. يريدون من الرباط أن تكون شريكا عند الحاجة، وأن تتحول إلى متهم عندما تتعثر حسابات مدريد، وأن تظل حاضرة في ملفات الهجرة والأمن، دون أن يُسمح لها بالظهور كقوة إقليمية ذات تجربة إنسانية ومؤسساتية متنامية.

إن المغرب ليس مطالبا بالحصول على شهادة حسن سلوك من الصحافة الإسبانية، ولا يحتاج إلى إذن من أي منبر إعلامي حتى يطور مؤسساته الصحية والتعليمية أو يوسع نطاق تضامنه مع الدول الإفريقية. فالإنجازات التي توثقها الصور والتقارير والعمليات الطبية أبلغ من حملات التشكيك، والنتائج التي يستفيد منها الأطفال والأسر من مختلف البلدان لا تحتاج إلى تبرير أمام من يصر على قراءة كل شيء بمنظار سياسي ضيق.

أما سبتة، فإن تحويل معاناة المهاجرين والقاصرين إلى ذخيرة في المعارك السياسية الإسبانية لن يحل الأزمة، كما أن تعليق الإخفاقات على المغرب لن يعفي المؤسسات الإسبانية من مسؤولياتها. فالتعاون بين البلدين لا يمكن أن يقوم على منطق الاتهام والابتزاز الإعلامي، بل ينبغي أن يستند إلى الاحترام المتبادل وتحمل كل طرف لمسؤولياته.

وقد يكون التقرير أراد أن يجعل من جيب سبتة محور الحكاية، لكنه كشف، من حيث لا يدري، عن صورة مغرب يتقدم في مجالات التعليم والصحة والعمل الإنساني، في مقابل خطاب إعلامي لا يزال أسير عقدة الحدود وحسابات الماضي. وبين جامعة تفتح أبوابها أمام الطلبة، ومستشفى يعيد الأمل للأطفال، ومنابر لا ترى في المغرب إلا ملفا أمنيا، تتضح المفارقة: المغرب يشتغل ويبني ويعالج ويوسع إشعاعه خارج الحدود، بينما لا يزال بعض خصومه يبحثون عن أزمة جديدة لتبرير قلقهم القديم. فحين يعبر الإنجاز المغربي القارات، لا يجد بعض الإعلام الإسباني ما يضيفه سوى إعادته إلى نقطة الحدود !

03/11/2026

مقالات خاصة

Related Posts