تواجه العائلات السورية أزمة معيشية متفاقمة، في ظل الارتفاع المتواصل لأسعار المواد الغذائية والطاقة، وتراجع فرص العمل والمساعدات الإنسانية، ما دفع كثيراً من الأسر إلى تقليص وجباتها والاستغناء عن اللحوم، بل وفصل الثلاجات لساعات يومياً تفادياً لفواتير الكهرباء المرتفعة.
وتكشف شهادات نقلها تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، نُشر في 31 أكتوبر الماضي، من ضواحي العاصمة دمشق، عن حجم الضغوط التي تثقل كاهل السوريين، بعدما اتسعت الفجوة بين المداخيل المحدودة وتكاليف المعيشة، رغم سقوط نظام بشار الأسد.
وبحسب التقرير، أصبحت اللحوم والدجاج خارج القدرة الشرائية المنتظمة لعدد من الأسر، فيما لم تعد الخضروات بمنأى عن موجة الغلاء. كما تحدث سكان عن صعوبات في شراء الأدوية، واضطرار بعض العائلات إلى الاكتفاء بوجبة واحدة يومياً لتدبير نفقاتها.
ولم تتوقف مظاهر الأزمة عند تقليص الاستهلاك الغذائي، إذ لجأ بعض المتقاعدين إلى الاقتراض وبيع الأثاث والمقتنيات المنزلية لتغطية المصاريف الضرورية، بينما اضطرت أسر أخرى إلى تقليل الإضاءة وفصل الثلاجات لساعات، خوفاً من فواتير الكهرباء. وفي إحدى الحالات التي أوردها التقرير، بلغت الفاتورة نحو ثلث دخل الأسرة، دون القدرة على تسديدها.
وتتفاقم هذه الأوضاع مع توجه السلطات السورية إلى تقليص الدعم وارتفاع تكاليف الخبز والوقود والكهرباء، رغم إقرار زيادات في أجور العاملين بالقطاع العام والمعاشات التقاعدية، إذ حدّ التضخم وارتفاع الأسعار من أثر هذه الزيادات، وأبقيا القدرة الشرائية تحت ضغط شديد.
كما يضاعف ضعف فرص العمل وتراجع المساعدات الإنسانية من معاناة الأسر، حيث ينتظر عمال في الشوارع فرصاً يومية غير مضمونة، بالتزامن مع تقليص منظمات إغاثية خدماتها بسبب نقص التمويل، ما حرم فئات هشة من مساعدات كانت تشكل سنداً أساسياً لها.
وامتدت تداعيات الغلاء إلى الشارع، بعدما أثار قرار رفع أسعار الوقود احتجاجات شملت قطع طرق وإشعال إطارات، قبل أن تتراجع السلطات عن القرار بعد أيام، وفق التقرير. وكشفت هذه الاحتجاجات أن الضغوط المعيشية باتت تتجاوز الخلافات السياسية، لتلامس مباشرة القدرة على تأمين أبسط متطلبات الحياة.
وتواجه سوريا، في المقابل، تركة ثقيلة من الدمار وتعطل الإنتاج وتضرر البنية التحتية والخدمات، غير أن هذه التحديات تضع السياسات الاقتصادية الحالية أمام اختبار حقيقي، خصوصاً في ما يتعلق بسرعة تقليص الدعم ومدى توفير الحماية الاجتماعية لمحدودي الدخل.
وبين وعود التعافي الاقتصادي وواقع الحياة اليومية، تبدو المفارقة السورية أكثر قسوة من أي وقت مضى؛ فبعد سنوات الحرب والدمار، تجد عائلات نفسها أمام معركة جديدة عنوانها تأمين وجبة طعام وتسديد فاتورة كهرباء وشراء الدواء. لم تعد اللحوم حاضرة بانتظام على الموائد، ولم تعد الثلاجات تعمل طوال اليوم، بل أصبح تقليص الوجبات وبيع أثاث المنازل وسائل لمواجهة الغلاء.
وهكذا، لا يُقاس التعافي بالنسبة إلى الأسر السورية بالشعارات أو المؤشرات الاقتصادية، بل بسؤال أكثر قسوة: متى يستطيع السوري أن يفتح ثلاجته ويملأ مائدته دون أن يخشى فاتورة الغد؟
04/11/2026