عاد سيناريو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى دائرة النقاش السياسي الأوروبي، لكن هذه المرة من زاوية معاكسة، بعدما طُرح احتمال عودة المملكة المتحدة إلى المنظومة الأوروبية دون التخلي عن الجنيه الإسترليني، في خطوة قد تعيد رسم التوازنات الاقتصادية والحدودية في منطقة جبل طارق، وتضع مستقبل العلاقات بين لندن وبروكسل ومدريد أمام معطيات جديدة.
وأثار هذا الاحتمال ميشيل بارنييه، كبير المفاوضين السابقين للاتحاد الأوروبي في ملف خروج بريطانيا، الذي اعتبر أن لندن يمكنها فتح مفاوضات للعودة إلى الاتحاد دون الالتزام بالضرورة باعتماد العملة الأوروبية الموحدة، لكنه شدد على أن هذا المسار يظل مشروطاً بقبول المملكة المتحدة الحريات الأربع للسوق الأوروبية الموحدة، وفي مقدمتها حرية تنقل الأشخاص.
ويعيد هذا الشرط إلى الواجهة أحد أكثر الملفات حساسية التي رافقت مفاوضات خروج بريطانيا، بالنظر إلى ارتباط الاقتصاد البريطاني والأقاليم التابعة له بشبكة معقدة من المصالح التجارية والعمالية الأوروبية. وتبرز أهمية هذا النقاش بشكل خاص في جبل طارق، الذي يعتمد اقتصاده بصورة كبيرة على آلاف العمال القادمين يومياً من الأراضي الإسبانية، ولا سيما من البلديات المجاورة لمنطقة جبل طارق.
وتأتي هذه التطورات في سياق مختلف عما كان عليه الوضع قبل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بعدما وقعت لندن وبروكسل، في 14 يوليوز 2026، اتفاقاً نهائياً جديداً بشأن جبل طارق، دخل تطبيقه المؤقت حيز التنفيذ في اليوم الموالي، واضعاً إطاراً قانونياً جديداً لتنظيم حركة الأشخاص والبضائع، وإزالة الحواجز المادية على مستوى السياج الحدودي، إلى جانب اعتماد قواعد مراقبة فضاء شنغن بمطار جبل طارق.
ويتضمن الاتفاق إقامة اتحاد جمركي بين جبل طارق والاتحاد الأوروبي، ووضع آليات لتنسيق أنظمة الضمان الاجتماعي، فضلاً عن ضمانات خاصة بالعمال العابرين للحدود. غير أن هذه الترتيبات لا تجعل جبل طارق عضواً رسمياً في فضاء شنغن، ولا تمنحه صفة الإقليم التابع للاتحاد الأوروبي، كما أنها لا تغير المواقف المتعارضة بشأن السيادة على المنطقة.
وفي حال عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي، فإن طبيعة العلاقة بين جبل طارق والمؤسسات الأوروبية قد تدخل مرحلة مختلفة، إذ لن يعود ارتباط المنطقة ببروكسل قائماً فقط على اتفاق خاص، بل سيستند أيضاً إلى عضوية الدولة البريطانية نفسها داخل المنظومة الأوروبية، بما قد يوسع نطاق الالتزامات والتنسيق السياسي والاقتصادي.
ومن بين الملفات التي تحظى باهتمام خاص مسألة العملة، إذ إن استمرار الجنيه الإسترليني، في حال حصول لندن على استثناء من اعتماد اليورو، سيسمح لجبل طارق بالحفاظ على نظامه النقدي الحالي، بالنظر إلى ارتباط عملته المحلية بالجنيه البريطاني بالقيمة نفسها. لكن هذا الاحتمال ليس مضموناً، إذ تفرض القواعد الأوروبية على الدول الأعضاء الجديدة التزاماً عاماً باعتماد اليورو عند استيفاء الشروط المطلوبة، ما يجعل أي استثناء محتمل رهيناً بتوافق أوروبي خاص.
كما أن مستقبل آلاف العمال الذين يعبرون الحدود يومياً للعمل في جبل طارق سيكون من أبرز الملفات المتأثرة بهذه التحولات، خصوصاً في مدن لا لينيا دي لا كونسيبسيون وسان روكي والجزيرة الخضراء ولوس باريوس. فاستعادة حرية تنقل الأشخاص قد تعيد تنظيم حركة اليد العاملة والإقامة والتنقل وفق القواعد العامة للاتحاد الأوروبي، وإن كان الاتفاق الموقع سنة 2026 قد وضع بالفعل ضمانات تتعلق بالمساواة في المعاملة والحقوق الاجتماعية والمهنية.
اقتصادياً، لن تكون العودة البريطانية المحتملة مجرد استعادة للعضوية الأوروبية، بل ستعني أيضاً مواجهة التزامات تنظيمية ومالية إضافية، تشمل قواعد المنافسة والمساعدات العمومية والضرائب والأنشطة المصرفية والتأمينية. وكان الاتفاق الجديد بشأن جبل طارق قد أقر بالفعل إدخال ضريبة غير مباشرة مماثلة للضريبة على القيمة المضافة، مع التقارب التدريجي نحو المستويات المحددة في الاتفاق، إلى جانب التزامات جديدة في مجال التعاون الاقتصادي.
أما ملف السيادة، فسيظل بدوره خارج أي تسوية تلقائية قد تنتج عن عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي. فرغم أن وجود لندن ومدريد داخل مؤسسة أوروبية واحدة قد يفتح قنوات أوسع للتعاون السياسي والمؤسساتي، فإنه لن ينهي الخلاف التاريخي بين البلدين بشأن جبل طارق، خاصة أن اتفاق 2026 أبقى صراحة على المواقف السيادية للطرفين دون تغيير، مع استمرار المنطقة في وضعها الحالي باعتبارها إقليماً بريطانياً لما وراء البحار.
وحتى الآن، لا يتجاوز الأمر حدود سيناريو افتراضي، إذ يظل قرار العودة إلى الاتحاد الأوروبي بيد المملكة المتحدة ومواطنيها، وفق ما أكده بارنييه. غير أن مجرد طرح هذا الاحتمال يكشف أن تداعيات خروج بريطانيا لم تُغلق بعد، وأن جبل طارق قد يجد نفسه مجدداً في قلب معادلة أوروبية تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية وحسابات الحدود والعمالة مع نزاع السيادة التاريخي.
وهكذا، فإن النقاش لم يعد مقتصراً على سؤال ما إذا كانت بريطانيا ستعود إلى أوروبا أم لا، بل امتد إلى طبيعة الشروط التي ستفرضها هذه العودة، والانعكاسات التي قد تتركها على جبل طارق وإسبانيا، في منطقة لا تزال فيها الحدود والسيادة أكثر من مجرد خطوط جغرافية.
05/11/2026