لم يعد ينقص بعض الأقلام الإسبانية سوى مطالبة المغرب بالحصول على ترخيص من مدريد قبل شراء دبابة أو صاروخ أو طائرة عسكرية! فبمجرد أن قررت المملكة تحديث قواتها المسلحة وتعزيز قدراتها الدفاعية، تحولت هذه الخطوة، في نظر بعض المحللين الإسبان، إلى ما يشبه إعلان حرب مؤجلة على الضفة الشمالية لمضيق جبل طارق.
اختار الضابط العسكري الإسباني السابق والخبير الأمني رامون كويردا ريبا إطلاق اتهامات ثقيلة ضد المغرب، متسائلا عما إذا كان استمرار الاتحاد الأوروبي، وإسبانيا خصوصا، في تقديم المساعدات للمملكة يمثل “جبنا أم خيانة”، في محاولة لتصوير التعاون الاقتصادي والأمني بين الرباط وشركائها الأوروبيين وكأنه تمويل غير مباشر لسباق تسلح يستهدف المصالح الإسبانية.
والأطرف أن صاحب المقال لا يخفي انزعاجه من أن المغرب يطور جيشه، بل يذهب إلى حد اعتبار استمرار التعاون الأوروبي معه نوعا من التنازل غير المقبول، وكأن المطلوب من بروكسل ومدريد ليس التعاون مع جار استراتيجي، وإنما ضمان بقاء هذا الجار ضعيفا بما يكفي حتى لا يزعج الحسابات العسكرية الإسبانية!
فالمغرب، وفق هذه القراءة المقلوبة، مرحب به عندما يحرس الحدود ويكافح شبكات التهريب والهجرة غير النظامية، لكنه يتحول فجأة إلى مصدر تهديد عندما يقرر تحديث منظوماته الدفاعية. مرحبا بالتعاون الأمني، ولكن بشرط ألا يمتلك الشريك أدوات القوة! ويا لها من شراكة عجيبة، يكون فيها التعاون مطلوبا من طرف واحد، والسيادة مقبولة فقط ما دامت لا تتضمن صواريخ حديثة أو قدرات ردع متطورة.
ويبدو أن أكثر ما يثير قلق الكاتب ليس حجم الإنفاق العسكري المغربي في حد ذاته، وإنما حقيقة أن المملكة لم تعد تقبل بمنطق التفوق العسكري التقليدي الذي اعتادت بعض الدوائر الإسبانية التعامل معه باعتباره أمرا ثابتا لا ينبغي أن يتغير. فالمغرب، الذي يطور قدراته الدفاعية ويحدث ترسانته الجوية والبرية والبحرية، يتصرف باعتباره دولة ذات سيادة، لها الحق في حماية مجالها الترابي ومصالحها الاستراتيجية، تماما كما تفعل إسبانيا وبقية الدول الأوروبية التي لا تتردد في تخصيص مليارات اليوروهات لتحديث جيوشها وشراء أحدث الأنظمة العسكرية.
ومن المفارقات أن الكاتب يتحدث عن الإنفاق الدفاعي الإسباني والأوروبي باعتباره ضرورة استراتيجية مشروعة، بينما يتحول الإنفاق المغربي، في قاموسه، إلى دليل على التهديد والتصعيد. وهنا تظهر بوضوح ازدواجية المعايير: ما يعتبره الغرب حقا سياديا عندما يتعلق بجيوشه، يصبح مصدر قلق واتهام عندما يتعلق بالقوات المسلحة الملكية.
ويذهب المقال إلى الادعاء بأن المغرب خصص أكثر من 10 في المائة من ناتجه الداخلي الخام لاقتناء الأسلحة، كما يتحدث عن صندوق خاص للتجهيز وإصلاح معدات القوات المسلحة بقيمة 17.5 مليار يورو في مشروع ميزانية 2027، مستحضرا صواريخ “أتاكمز” الأمريكية باعتبارها قادرة على بلوغ إشبيلية أو القاعدة البحرية في روتا. غير أن الكاتب لا يقدم توثيقا كافيا يثبت هذه النسبة أو يوضح الأسس المحاسبية التي اعتمدها للوصول إليها، كما يخلط بين القدرات النظرية لبعض المنظومات العسكرية وبين افتراض استخدامها ضد أهداف إسبانية.
والأكثر إثارة أن المقال يحاول إقحام المساعدات الأوروبية الموجهة إلى مشاريع التنمية والبنيات التحتية والخدمات الاجتماعية في معادلة تمويل التسلح المغربي، مدعيا أن كل يورو أوروبي يذهب إلى المدارس القروية أو مشاريع الماء أو تحديث القضاء يتيح للرباط تحويل أموالها الخاصة إلى صفقات السلاح. وهي فرضية مالية مبسطة تتجاهل طبيعة برامج التعاون وآليات تمويلها ومراقبتها، كما تتجاهل أن دعم التنمية والاستقرار في الجوار الجنوبي يخدم المصالح الأوروبية نفسها، ولا يمثل منحة سياسية تمنح إسبانيا حق التدخل في اختيارات المغرب الدفاعية.
فهل أصبح تمويل مدرسة أو مشروع للماء في المغرب جريمة استراتيجية لأن المملكة تشتري في الوقت نفسه معدات عسكرية لحماية أمنها؟ وهل ينبغي للمغاربة الاختيار بين التنمية والدفاع حتى تطمئن بعض الأقلام الإسبانية؟ إن هذا المنطق لا يعكس نقاشا جديا حول التعاون الدولي، بل يكشف نظرة استعلائية تريد للمغرب أن يظل محتاجا إلى الدعم، من دون أن يمتلك القدرة على حماية مصالحه أو تطوير أدوات قوته.
ويبدو أن بعض الأصوات الإسبانية تريد مغربا بمواصفات خاصة: اقتصاد يتطور، وموانئ تنافس، واستثمارات تتدفق، وشراكات دولية تتوسع، لكن جيشا يظل في وضعية انتظار، حتى لا يشعر أحد في مدريد بأن ميزان القوة يتغير. والأكثر إثارة للسخرية أن إسبانيا التي تشتري الأسلحة وتطور قواتها وتشارك في التحالفات العسكرية، تريد من المغرب أن يقدم تفسيرا سياسيا لكل صفقة تسلح يعقدها. وكأن حق الدفاع عن النفس امتياز أوروبي، أما في الضفة الجنوبية للمتوسط فهو تهمة تستوجب التحقيق!
أما ربط المدارس القروية ومشاريع الماء المغربية بصواريخ الجيش، فيبدو اكتشافا اقتصاديا فريدا: كلما حصلت قرية مغربية على مشروع تنموي، ارتفعت، في الحسابات الإسبانية، احتمالات شراء الرباط لسلاح جديد! إنها معادلة لا تحتاج إلى خبراء اقتصاد بقدر ما تحتاج إلى تفسير لكيفية تحول التنمية الاجتماعية إلى تهمة عسكرية بمجرد أن يتعلق الأمر بالمغرب.
وفي محاولة أخرى لتضخيم المخاوف، يصف الكاتب الجيش المغربي بأنه “متضخم”، ويزعم أن جزءا كبيرا منه مخصص لحماية النظام، قبل أن يقارن أعداد العسكريين في المغرب وإسبانيا وإيطاليا ودول حلف شمال الأطلسي. لكن المقارنة العددية المجردة لا تكفي لتقييم القوة العسكرية أو طبيعة العقيدة الدفاعية لأي دولة، خصوصا عندما يتم الجمع بين أعداد الجنود النظاميين والقوات شبه العسكرية في بعض التقديرات، ثم مقارنتها بأرقام أخرى لا تعتمد المنهجية نفسها.
كما أن الكاتب يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن المغرب يوجد في محيط إقليمي معقد، تتداخل فيه التوترات الأمنية والتنافس العسكري، خصوصا في ظل سباق التسلح مع الجزائر، الأمر الذي يجعل تحديث القوات المسلحة وتطوير منظومات الردع والدفاع الجوي والاستطلاع والقدرات الصاروخية جزءا من حسابات الأمن القومي المغربي، وليس بالضرورة مقدمة لمواجهة مع إسبانيا كما يحاول المقال الإيحاء.
أما في ملف الهجرة، فيعود الكاتب إلى الأسطوانة القديمة نفسها، متهما المغرب باستخدام تدفقات المهاجرين أداة للضغط السياسي على مدريد، ومعتبرا أن الأزمات الحدودية في سبتة وموجات الهجرة نحو جزر الكناري رسائل محسوبة من الرباط. لكنه يتجاهل أن الهجرة غير النظامية ظاهرة إقليمية معقدة تتداخل فيها شبكات الاتجار بالبشر والعوامل الاقتصادية والاجتماعية والاضطرابات الإقليمية، وأن التعاون المغربي الإسباني في هذا المجال يقوم على مصالح مشتركة ومسؤوليات متبادلة، وليس على علاقة تبعية من طرف واحد.
والأكثر غرابة أن الكاتب يطالب مدريد وبروكسل بربط المساعدات الأوروبية للمغرب بشروط تتعلق بميزانيته العسكرية، وكأن من حق إسبانيا أو الاتحاد الأوروبي تحديد حجم القوات المسلحة المغربية أو فرض سقف على مشترياته الدفاعية. فالتعاون الاقتصادي شيء، والتدخل في القرارات السيادية لدولة مستقلة شيء آخر تماما. وإذا كانت مدريد تعتبر أن تحديث جيشها شأن داخلي لا يقبل المساومة، فمن الصعب تبرير مطالبتها بفرض قيود مماثلة على المغرب.
بل إن صاحب المقال يذهب إلى أبعد من ذلك عندما يطالب بألا يعبر أي يورو أوروبي مضيق جبل طارق نحو المغرب من دون مقابل يتعلق بالحريات العامة ومراقبة الحدود و”الاعتدال” في النفقات العسكرية. وهنا يصبح السؤال مشروعا: منذ متى تحولت المساعدات التنموية إلى عقد إذعان يسمح للجهة المانحة بالتدخل في خيارات الدفاع الوطني لدولة مستقلة؟ وهل المطلوب من المغرب أن يقدم كشفا مسبقا عن مشترياته العسكرية حتى يحصل على تمويل مشروع تنموي؟
ويبدو أن خلف هذه الحملة قلقا أعمق من التحولات التي أعادت رسم موقع المغرب في المعادلات الإقليمية والدولية، بعدما عزز شراكاته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وفرنسا ودول أخرى، ووسع حضوره في التعاون العسكري، بالتوازي مع تطوير بنياته التحتية وموانئه ومشاريعه الاقتصادية الكبرى. فالمغرب لم يعد مجرد شريك جغرافي تحتاج إليه أوروبا في ضبط الهجرة، بل أصبح فاعلا إقليميا يملك أوراقا اقتصادية وأمنية ودبلوماسية متزايدة.
ولعل أكثر ما يثير حفيظة صاحب المقال أن المغرب لم يعد يكتفي بدور الحارس الأمني للحدود الأوروبية، بل يريد أيضا أن يكون قوة إقليمية قادرة على حماية حدوده ومصالحه. وهنا تبدأ المشكلة: المطلوب من المغرب أن يحمي أوروبا، لا أن يصبح قويا بما يكفي لحماية نفسه!
والرسالة التي يغفل عنها صاحب المقال أن الشراكة المغربية الأوروبية لا يمكن أن تستمر بمنطق الوصاية أو المقايضة، ولا يمكن مطالبة الرباط بالتعاون في حماية المصالح الأوروبية، ثم التشكيك في حقها في بناء قدراتها الدفاعية عندما يتعلق الأمر بأمنها القومي. فالمغرب لا يحتاج إلى إذن من مدريد حتى يطور جيشه، ولا إلى موافقة من بروكسل حتى يختار شركاءه العسكريين أو يحدد أولوياته الاستراتيجية.
في نهاية المطاف، يبدو أن بعض الأصوات الإسبانية لم تستوعب بعد أن المغرب لم يعد ذلك البلد الذي ينبغي أن يستأذن مدريد قبل أن يقرر شكل جيشه أو طبيعة تحالفاته أو حجم استثماراته الدفاعية. فالرباط لا تطلب من إسبانيا تقليص ميزانيتها العسكرية، ولا تطالب الاتحاد الأوروبي بالتدخل في صفقات تسلحه، لكنها ترفض، في المقابل، أن يتحول التعاون الاقتصادي إلى وصاية سياسية، أو أن تصبح المساعدات الأوروبية وسيلة لفرض سقف على طموحاتها الاستراتيجية.
وإذا كان مجرد تحديث الجيش المغربي يثير كل هذا القلق، فالمشكلة ليست بالضرورة في الصواريخ والدبابات، بل ربما في الصورة القديمة التي لا يزال البعض يريد الاحتفاظ بها عن المغرب. صورة بلد ينبغي أن يتعاون ويحرس الحدود ويستقبل الاستثمارات، لكن من دون أن يمتلك ما يكفي من القوة لفرض احترام مصالحه.
لقد تغير المغرب، ويبدو أن بعض العقول في إسبانيا لم تتغير بالسرعة نفسها. فبينما تبني المملكة موانئها وتطور جيشها وتوسع شراكاتها، لا يزال البعض منشغلا بسؤال يبدو أقرب إلى الحنين منه إلى التحليل الاستراتيجي: كيف نضمن أن يظل المغرب قويا بما يكفي لخدمتنا، وضعيفا بما يكفي لعدم إزعاجنا؟ ذلك زمن انتهى، حتى وإن كان بعضهم لا يزال يكتب وكأنه لم ينته بعد!
06/11/2026