خمس سنوات من التدبير الحكومي، من تعيين عزيز أخنوش على رأس الحكومة سنة 2021 إلى وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى قيادة الحكومة سنة 2026، تضع واقع الحريات العامة في المغرب أمام أسئلة متجددة، بعدما كشفت نتائج استطلاع البارومتر العربي عن تراجع ثقة المواطنين في ضمان عدد من الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها حرية الصحافة وانتقاد الحكومة والمشاركة في المظاهرات والاعتصامات.
وتكشف الأرقام الواردة في الدورة التاسعة من الاستطلاع حول المغرب، الذي يغطي سنة 2025، عن مؤشرات تستحق التوقف عندها، خصوصاً أنها تأتي في سياق مرحلة سياسية امتدت عبر حكومتين، وأثارت خلالها قضايا حرية التعبير وممارسة الصحافة والحق في الاحتجاج نقاشاً متواصلاً داخل المجتمع المغربي.
فقد تراجعت نسبة المغاربة الذين يعتبرون أن حرية الصحافة مضمونة من 71 في المائة خلال استطلاع 2023-2024 إلى 60 في المائة في الاستطلاع الجديد، أي بانخفاض بلغ 11 نقطة مئوية. كما انخفضت نسبة الذين يرون أن وسائل الإعلام تتمتع بحرية انتقاد الحكومة من 59 إلى 57 في المائة، بينما تراجعت نسبة من يعتبرون أن حق المشاركة في المظاهرات والاعتصامات مضمون من 57 إلى 55 في المائة.
وتكتسي هذه الأرقام أهمية خاصة بالنظر إلى أنها تضع أداء المؤسسات الحكومية ومناخ الحريات خلال السنوات الممتدة من حكومة أخنوش إلى المرحلة الحكومية الجديدة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري أمام تساؤلات الرأي العام، بشأن مدى قدرة الانتقال الحكومي على إحداث تغيير ملموس في علاقة السلطة بالمجتمع، وتعزيز الثقة في الحقوق الدستورية.
وفي مقابل هذا التراجع، ارتفعت نسبة المواطنين الذين يعتبرون أن حرية التعبير عن الرأي مضمونة من 58 إلى 62 في المائة، وهو ما يكشف عن صورة مركبة؛ إذ لا يتطابق الإحساس بضمان التعبير الفردي بالضرورة مع مستوى الثقة في حرية الصحافة وانتقاد الحكومة والاحتجاج الجماعي.
ولا تقف دلالات الاستطلاع عند حدود الحريات السياسية، بل تمتد إلى العلاقة بين الأوضاع الاقتصادية ومدى شعور المواطنين بضمان حقوقهم. فقد أظهرت النتائج أن المغاربة القادرين على تغطية احتياجاتهم الأساسية أكثر اقتناعاً بضمان حرية التعبير، بنسبة 70 في المائة، مقابل 55 في المائة لدى الذين يعجزون عن تغطية تلك الاحتياجات. كما بلغ الفارق في ما يتعلق بحرية المشاركة في الاحتجاجات السلمية 11 نقطة مئوية، إذ وصلت النسبة إلى 61 في المائة لدى الفئة الأولى مقابل 50 في المائة لدى الفئة الثانية.
وتطرح هذه المعطيات تحدياً إضافياً أمام الحكومة الجديدة، بعدما أظهرت أن مطالب المغاربة لا تنفصل عن بعضها؛ فالحقوق والحريات ترتبط في نظر شريحة واسعة من المواطنين بالقدرة على العيش الكريم، والعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، ومحاربة الفساد.
أما بشأن الإصلاح السياسي، فقد عبّر 51 في المائة من المستطلعين عن تفضيلهم إجراء إصلاحات شاملة دفعة واحدة، مقابل 40 في المائة يفضلون اعتماد إصلاحات تدريجية، بينما لا يرى 8 في المائة ضرورة لإجراء أي إصلاح سياسي.
ورغم استمرار تأييد الديمقراطية لدى الأغلبية، فإن هذا التأييد سجل بدوره تراجعاً لافتاً، إذ انخفضت نسبة الذين يعتبرون الديمقراطية دائماً أفضل من أي شكل آخر للحكم من 60 في المائة إلى 53 في المائة، فيما يرى 27 في المائة أن الحكم غير الديمقراطي قد يكون أفضل في بعض الأحيان، وصرح 18 في المائة بأن شكل نظام الحكم لا يهم بالنسبة إليهم.
وتكشف هذه النتائج عن تحدٍ سياسي يتجاوز مجرد تغيير المسؤولين أو انتقال رئاسة الحكومة من شخصية إلى أخرى؛ إذ إن الرهان الحقيقي يتمثل في مدى قدرة المرحلة الجديدة على تعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات، وتوسيع هامش النقاش العمومي، وضمان حق الإعلام في مساءلة الحكومة وانتقاد سياساتها.
كما أن تصور المغاربة للديمقراطية لا يختزل في تنظيم الانتخابات، بل يرتبط أساساً بالمساواة أمام القانون، التي اعتبرها 20 في المائة الركيزة الرئيسية للديمقراطية، وبضمان الاحتياجات الأساسية والحقوق المدنية والسياسية، بنسبة 18 في المائة لكل منهما، فضلاً عن حرية اختيار المسؤولين عبر الانتخابات، والأمن، ومحاربة الفساد.
وفي مؤشر آخر يعكس طبيعة التحولات في المزاج العام، أظهر الاستطلاع أن 48 في المائة من الفئة التي لا تتشبث بالديمقراطية باعتبارها الخيار الأفضل ترى أن المغرب يحتاج إلى زعيم سياسي يستطيع تجاوز القوانين إذا اقتضت الضرورة، بينما يعتبر 47 في المائة أن الحفاظ على النظام والاستقرار أهم من كون الحكومة ديمقراطية أو غير ديمقراطية، ويرى 42 في المائة أن قدرة الحكومة على حل المشكلات الاقتصادية أهم من طبيعة نظام الحكم.
وبين حصيلة حكومة أخنوش وبداية مرحلة فاطمة الزهراء المنصوري، تضع نتائج البارومتر العربي الحريات العامة والثقة السياسية في صلب النقاش حول مستقبل الممارسة الديمقراطية بالمغرب. فالمواطنون لا ينتظرون فقط تغيير الوجوه في المؤسسات الحكومية، وإنما يتطلعون إلى ضمانات ملموسة تجعل حرية الصحافة وانتقاد المسؤولين والاحتجاج السلمي حقوقاً يمارسونها بثقة، لا مجرد مبادئ منصوص عليها في الدستور.
والسؤال الذي تطرحه هذه الأرقام على الحكومة الجديدة هو ما إذا كانت المرحلة الممتدة من 2026 ستشهد تحولاً في مؤشرات الثقة والحريات، أم أن الشعور بتراجع هامش التعبير والانتقاد سيظل أحد أبرز الملفات التي تطبع العلاقة بين المغاربة والحكومات المتعاقبة.
06/11/2026