أثار إعلان رئيس الحكومة عزيز أخنوش، في 11 يناير، عدم استمراره على رأس حزبه وعدم ترشحه للانتخابات التشريعية المرتقبة في شتنبر 2026، مفاجأة واسعة، رغم ما كان يُلاحظ من تراجع موقعه بعد الاحتجاجات التي قادها شباب الجيل الجديد خلال خريف العام الماضي. ويعيد هذا التطور تسليط الضوء على الشخصيات المتباينة التي تولّت رئاسة الحكومة منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش.
لم يكن القرار متوقعًا؛ فخلال أجواء كأس إفريقيا للأمم لكرة القدم أعلن أخنوش عدم سعيه لولاية جديدة على رأس حزبه، وهو ما يعني عمليًا مغادرته رئاسة الحكومة بعد الاستحقاقات المقبلة. القرار فاجأ حتى محيطه السياسي، لكنه يعكس خصوصية المنصب في نظام يُمسك فيه الملك بزمام التوجيه العام، بينما يتحمل رئيس الحكومة مسؤولية تنفيذية معقدة وحساسة. كما يفتح الباب لاستعراض مسار من تعاقبوا على هذا الموقع منذ بداية العهد الحالي.
1998 – 2002: عبد الرحمن اليوسفي… تجربة التناوب
شكّل انتقال العرش سنة 1999 من الملك الراحل الحسن الثاني إلى ولي عهده حدثًا مفصليًا، غير أن الحكومة التي ورثها الملك محمد السادس كانت بقيادة شخصية يسارية بارزة هي عبد الرحمن اليوسفي. وتُعد هذه الحالة من بين الحالات النادرة في المغرب ما بعد الاستقلال التي قاد فيها يساري الجهاز التنفيذي، باستثناء تجربة قصيرة لعبد الله إبراهيم سنة 1960. بين فبراير 1998 وأكتوبر 2002 جسّد اليوسفي امتدادًا سياسيًا لمرحلة انفتاح تدريجي على المعارضة وتوازنًا بين الاستمرارية والإصلاح.
2002 – 2007: إدريس جطو… خيار التكنوقراط
شهدت انتخابات 2002 أول اختبار انتخابي في العهد الجديد، بمشاركة واسعة للأحزاب وصعود ملحوظ للتيار الإسلامي. وعلى خلاف التوقعات، اختار الملك تعيين التكنوقراطي إدريس جطو رئيسًا للحكومة.
جطو، الذي تولى سابقًا حقائب التجارة والمالية والداخلية، عُرف بأسلوب إداري هادئ وبصورة مسؤول دولة أكثر منه سياسيًا حزبيًا. اتسمت حصيلته الاقتصادية والاجتماعية بطابع توافقي، ما جعله من أكثر رؤساء الحكومات قبولًا داخل المشهد السياسي.
2007 – 2011: عباس الفاسي… عودة الأحزاب التاريخية
جرت انتخابات 2007 في سياق خطاب إصلاحي يعزز دور الأحزاب. وأسفرت النتائج عن تقدم حزب الاستقلال، ليكلّف الملك أمينه العام عباس الفاسي بتشكيل الحكومة.
الفاسي، الذي راكم تجربة سياسية ونقابية وحقوقية طويلة منذ ستينيات القرن الماضي، وضع ضمن أولوياته تقليص الفوارق الاجتماعية ومواجهة تمدد التيار الإسلامي. غير أن نتائج انتخابات 2011 اعتُبرت مؤشرًا على محدودية نجاح هذه الرهانات.
2011 – 2017: عبد الإله بنكيران… صعود الإسلاميين
مع موجة التحولات التي عرفتها المنطقة سنة 2011، تصدر حزب العدالة والتنمية نتائج الانتخابات، ليُعيَّن عبد الإله بنكيران رئيسًا للحكومة.
قاد بنكيران ولايتين اتسمتا بتوازنات سياسية صعبة بين التحالفات والخلافات، وبرزت خلالها توترات إعلامية وسياسية عكست نقاشًا أوسع حول القيم والتحولات المجتمعية، ما جعل تجربته من أكثر الفترات دينامية في الحياة السياسية الحديثة.
2017 – 2021: سعد الدين العثماني… استمرار التجربة بصعوبات
تولى سعد الدين العثماني، القيادي الآخر في الحزب نفسه، رئاسة الحكومة في سياق اقتصادي واجتماعي معقد. ورغم مسار مهني وسياسي متنوع، واجهت حكومته تحديات مرتبطة بالمالية العمومية والنمو والتشغيل. وجاءت نتائج انتخابات 2021 لتؤكد تراجع حضور الحزب الإسلامي في المشهد السياسي.
2021 – 2026: مرحلة أخنوش
أفرزت انتخابات 2021 تقدّم أحزاب قريبة تقليديًا من السلطة، وعلى رأسها التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، ليتولى عزيز أخنوش رئاسة الحكومة.
غير أن صورته كرجل أعمال ثري ظلت ملازمة له، خاصة مع ارتباط اسمه بقطاع المحروقات، ما غذّى انتقادات جزء من الرأي العام. ومع نهاية 2025، ساهمت احتجاجات شبابية في إضعاف موقعه السياسي. وفي يناير 2026 أعلن عدم الترشح مجددًا، سواء لرئاسة الحكومة أو لقيادة حزبه، ما يجعل انتخابات شتنبر المقبلة مفتوحة على جميع الاحتمالات ويُنهي مرحلة جديدة في مسار رئاسة الحكومة خلال عهد محمد السادس.
متابعة :
26/02/2026