لم تعد مادة الإسمنت مجرد عنصر أساسي في تشييد الوحدات السكنية، بل تحولت إلى مؤشر حيوي يقيس نبض قطاع البناء والأشغال العمومية بالمغرب، نظرا لارتباطها المباشر بالأوراش الكبرى والمشاريع الهيكلية للبنيات التحتية. وفي هذا السياق، أظهرت معطيات مهنية رسمية أن مبيعات الإسمنت بلغت مع نهاية فبراير 2026 حوالي 2.09 مليون طن، مسجلة تراجعا بنسبة 15.81 في المائة، وهو ما يعكس نوعا من التذبذب في نشاط أحد أهم القطاعات الاقتصادية المرتبطة بالدينامية التنموية بالمملكة.
ويرى متابعون للشأن العقاري أن هذا التراجع لا يعكس بالضرورة أزمة حقيقية بقدر ما يرتبط بعوامل ظرفية وموسمية أثرت على وتيرة الأشغال الميدانية، من بينها التساقطات المطرية التي عرفتها البلاد خلال شهري يناير وفبراير، والتي أدت إلى تباطؤ واضح في العديد من أوراش البناء، خصوصا تلك المفتوحة في الهواء الطلق. كما أن الفترة التي تزامنت مع شهر رمضان عادة ما تشهد انخفاضا دوريا في المبيعات نتيجة تباطؤ النشاط الاقتصادي، ما يجعل تراجع استهلاك الإسمنت انعكاسا مؤقتا لظروف مناخية وزمنية أكثر منه مؤشرا على انهيار السوق، خاصة أن المعاملات العقارية بدورها ظلت في مستويات عادية نسبيا خلال الفترة نفسها.
في المقابل، يشير مهنيون إلى وجود اختلالات أعمق داخل السوق العقارية، تتمثل في عدم التوازن بين العرض والطلب، خصوصا في فئة السكن منخفض التكلفة التي تتلاءم مع القدرة الشرائية لعدد كبير من المواطنين. ويؤكد فاعلون في القطاع أن ارتفاع أسعار الأراضي والمواد الأولية، إلى جانب الإكراهات المرتبطة بالتعمير وتعقيد المساطر الإدارية للحصول على التراخيص، جعل إنتاج وحدات سكنية بأسعار مناسبة أمرا شبه مستحيل. هذا الوضع انعكس مباشرة على وتيرة البناء السكني وعلى حجم الطلب على مواد البناء، وفي مقدمتها الإسمنت، ما يجعل الأرقام المسجلة اليوم مرآة لوضعية قطاع يحتاج إلى مراجعة عميقة للسياسات السكنية والتحفيزات الاستثمارية من أجل استعادة ديناميته في السنوات المقبلة.
07/03/2026