في مشهد يبدو أقرب إلى فيلم عصابات هوليوودي منه إلى عملية تهريب تقليدية، كشفت الشرطة الإسبانية عن مستوى غير مسبوق من تسليح شبكات الاتجار بالمخدرات في جنوب البلاد، بعدما عثرت على ما وصفته بـ “ترسانة حرب حقيقية” كانت مخصصة لحراسة ما يسميه المهربون ببرود لافت “حضّانات المخدرات”. العملية الأمنية التي نُفذت في وقت متزامن بين مدينتي الجزيرة الخضراء وماربيا كشفت أن بعض شبكات التهريب لم تعد تكتفي بالقوارب السريعة والطرق السرية، بل باتت تعتمد على منطق عسكري كامل، يجمع بين الأسلحة الهجومية والمخابئ تحت الأرض وأنظمة المراقبة، وكأن الأمر يتعلق بثكنة عسكرية أكثر منه بمخزن مخدرات.
في مدينة الجزيرة الخضراء، عثر المحققون داخل سيارة بلوحات معدلة على ما يشبه مخزن سلاح متنقل. الحصيلة كانت لافتة: 25 قطعة سلاح ناري بينها 19 بندقية كلاشنيكوف AK-47 عيار 7.62 إضافة إلى ستة مسدسات من عيار 9 ملم. ووفق الشرطة الإسبانية، لم تكن هذه الأسلحة موجودة للاستعراض، بل كانت مخصصة لحراسة ما يعرف في عالم التهريب بـ “حضّانات المخدرات”، وهي أماكن سرية تخزن فيها الشحنات مؤقتاً قبل توزيعها داخل السوق الأوروبية. وبعبارة أبسط، لم يعد الكوكايين يحتاج فقط إلى مهربين ينقلونه، بل إلى حراس مدججين بأسلحة حرب لحمايته، في مؤشر واضح على تصاعد العنف داخل شبكات الجريمة المنظمة.
الأجهزة الأمنية تحذر من خطورة هذا التطور، خصوصاً أن بنادق الكلاشنيكوف قادرة على اختراق معظم السترات الواقية من الرصاص التي يستخدمها رجال الأمن، ما يجعل أي مواجهة محتملة أكثر خطورة وتعقيداً. ومع تزايد اعتماد العصابات على هذا النوع من التسليح، يتحول التعامل مع شبكات المخدرات شيئاً فشيئاً إلى ما يشبه مواجهة مع مجموعات مسلحة، وليس مجرد عمليات ضد مهربين تقليديين.
وفي عملية موازية بمدينة ماربيا، اكتشف المحققون مفاجأة أكبر: مخبأ سري ضخم محفور بعناية تحت الأرض استخدمته الشبكات الإجرامية لإخفاء شحنة كبيرة من الكوكايين. داخل هذا المخبأ عثرت الشرطة على 30 رزمة من المخدرات بلغ وزنها الإجمالي 1056 كيلوغراماً من الكوكايين، إضافة إلى كاميرا مراقبة كانت تراقب الطريق المؤدي إلى المكان لتأمين المخدرات من أي محاولة سرقة أو تدخل أمني. مثل هذه المخابئ السرية أصبحت جزءاً من البنية اللوجستية لعصابات التهريب، إذ تسمح بتخزين كميات ضخمة بعيداً عن أعين الشرطة، وأحياناً بعيداً حتى عن أعين المنافسين في عالم المخدرات.
وخلال العملية الأمنية نفسها، ضبطت الشرطة ثلاثة أشخاص وهم يعتدون على رجل آخر في الغابة. لم يكن الأمر شجاراً عادياً، بل محاولة لما يسمى في عالم التهريب بـ “الفويلكو”، أي السطو على شحنة مخدرات من طرف عصابة منافسة أو حتى من طرف شركاء داخل الشبكة نفسها. هذه الظاهرة تحولت في السنوات الأخيرة إلى ممارسة شائعة داخل عالم الاتجار بالمخدرات، حيث تُحسم النزاعات ليس عبر التفاوض، بل بالعنف المباشر.
وعندما تدخلت الشرطة، لم يتردد بعض المشتبه فيهم في إطلاق النار على العناصر الأمنية في محاولة للهروب، قبل أن تنتهي المطاردة باعتقال أربعة أشخاص. وأسفرت العملية عن حجز مجموعة من الأسلحة الخطيرة بينها بندقية كلاشنيكوف AK-47 وبندقية هجومية من نوع AR-15 ورشاش صغير من طراز UZI إضافة إلى ثلاثة مسدسات وعدد من السيارات الفاخرة وأجهزة اتصال متطورة ومعدات لتعطيل الإشارات، وهي تجهيزات تكشف حجم التنظيم والتجهيز الذي أصبحت تعتمده شبكات التهريب.
ومن بين المفاجآت التي كشفتها العملية أيضاً العثور على معدات وملابس خاصة بالشرطة بحوزة بعض المشتبه فيهم، بما في ذلك سترات واقية ومعدات أمنية. وتشير التحقيقات إلى أن بعض العصابات تستخدم هذه المعدات لانتحال صفة رجال الأمن أثناء عمليات السطو على مخدرات العصابات المنافسة، وهو أسلوب يسمح بمباغتة الضحايا وإيهامهم بأن الأمر يتعلق بتدخل أمني حقيقي قبل الاستيلاء على الشحنة.
وتكشف هذه الوقائع أن شبكات الاتجار بالمخدرات في جنوب إسبانيا لم تعد مجرد مجموعات تهريب تقليدية، بل أصبحت تعتمد بنية لوجستية متطورة وتسليحاً عسكرياً لحماية نشاطها الإجرامي. فالكوكايين يُخزن تحت الأرض داخل مخابئ محصنة، بينما يحرسه فوق الأرض رجال مدججون بالكلاشنيكوف، في مشهد يعكس تحوّل تجارة المخدرات إلى نشاط عالي الخطورة.
وفي النهاية، يبدو المشهد أقرب إلى فصل من مسلسل عصابات: أسلحة هجومية، مخابئ سرية، مطاردات، ومهربون يسرقون مهربين آخرين. لكن الفرق أن هذه ليست دراما تلفزيونية، بل واقع يتكرر على سواحل جنوب إسبانيا، حيث يتحول مسحوق أبيض صغير إلى اقتصاد ظل مسلح بالكلاشنيكوف. وبين السلاح والكوكايين والدراما، يبدو أن فصول هذه القصة لم تنته بعد.
07/03/2026